محمد طاهر الكردي

46

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

أن استولى عليها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه اللّه تعالى في عصرنا الحاضر سنة ( 1343 ه ) ألف وثلاثمائة وثلاث وأربعين ، فانتشر الأمن والأمان فيها وفي جميع المملكة ، بما لم يكن في سالف الأزمان ، وللّه الحمد والشكر . والسبب الذي من أجله تركت ذكر حوادث الحروب بمكة ، هو أن ذلك يعرضني إلى ذكر مساوئ من سبقني بالإيمان من أموات المسلمين وهم قد قدموا إلى ما عملوا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : « اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم » . وأيضا لابد إذا ذكرت ما وقع بين فلان وفلان أن أقع في غيبتهم ، والغيبة حرام للأحياء والأموات قال اللّه تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً . ثم إن ذكر الحروب من اختصاص المؤرخين السياسيين ، وأنا لا أعرف في السياسة شيئا منذ الصغر ، فالحمد للّه الذي عافاني منها لأشتغل بما هو أنفع وأصلح لمثلي ، ففي الصحيحين : « كل ميسر لما خلق له » . وفي المثل : للتين قوم وللجميز أقوام . فالسياسة مطلوبة بل واجبة لكن على طبقة خاصة ، وهي طبقة الملوك والوزراء والأمراء ، الذين بيدهم الحل والعقد ، ليوجهوا العباد إلى طريق الخير والسداد ، ويجنبوا البلاد ويلات الحروب والفساد ، ففي الصحيحين : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » . إن من ينظر في تاريخ مكة للإمام الأزرقي رحمه اللّه تعالى وغفر لنا وله وهو يعد أعظم تاريخ مهم لمكة المشرفة في صدر الإسلام ، فالإمام الأزرقي توفي إما في أواخر القرن الثاني أو أوائل القرن الثالث للهجرة ، إن من ينظر في تاريخه يجده تاريخا مهما محترما محررا في مباحثه ، وما ذكر فيه من قياس أطوال بعض الأماكن مهم جدا كقياس ما بين الكعبة والصفا أو ما بين الصفا والمروة أو ما بين الكعبة وعرفات ، وغير ذلك من الأماكن والمشاعر العظام ، وكل ذلك مبين بالأذرع بيانا تاما وافيا ، ولا ندري كيف تمكن الإمام الأزرقي رحمه اللّه تعالى وأثابه على أعماله العظيمة من تحرير كل ذلك ، والذي نعتقده أن جميع أهل هذه البلدة الطاهرة من أميرها وعلمائها وأفرادها العوام والخواص كانوا يقومون بخدمته ويساعدونه في جميع ما يطلب . هذا وقد تحملنا الكثير من التعب والمشاق في إبراز هذا التاريخ ونرجو من اللّه الكبير أعظم المساعدة والمعونة ، فالحمد للّه رب العالمين حمدا يليق بجلاله وعظمته .