محمد طاهر الكردي
493
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وما نظن أن أحدا قبلنا طرق هذا الباب أو بحث عن هذه المسألة مع أنها لا دخل لها في المناسك مطلقا ، فالحمد اللّه رب العالمين أولا وآخرا . هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم . فعلم من جميع ما تقدم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد أن سكن المدينة إذا قدم مكة لا ينزل في بيوتها ومنازلها . وإنما ينزل بقبته التي تضرب له حيثما كان إلى أن يرجع إلى المدينة ، أي أنه صلى اللّه عليه وسلم ينزل في خبائه الذي يضرب له أينما نزل ، سواء في بطحاء مكة بالحجون ، أو في منى ومزدلفة وعرفات ، فلا يستظل في بيت مبني منذ خروجه من المدينة إلى أن رجع إليها من مكة . فقد تقدم في أول هذا المبحث أن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الفتح : فانزل في بعض بيوت مكة في غير منزلك . فأبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : لا أدخل البيوت . فلم يزل مضطربا بالحجون لم يدخل بيتا ، وكان يأتي المسجد من الحجون لكل صلاة . فهذا أعظم دليل على زهده وتواضعه صلى اللّه عليه وسلم في بلد اللّه الأمين ومشاعر الحج ، فإنه أتى إليها للنسك لا للإقامة ، والنسك عبارة عن التجرد ومخالفة العادات المألوفة . ولو أمعنا النظر قليلا لوجدنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حجته قد تعرض كثيرا للشمس بمكة ومنى وعرفات ، فأين عهدنا من ذلك العهد النبوي المشرق ، وأين عصرنا من ذلك العصر المبارك الأنور . ثم رأينا ما يؤيد كلامنا هذا في المجموع شرح المهذب للإمام النووي رحمه اللّه تعالى فإنه قال فيه بصحيفة 117 من الجزء الثامن ما يأتي : إن الأفضل للواقف أن لا يستظل بل يبرز للشمس ، إلا للعذر بأن يتضرر أو ينقص دعاؤه أو اجتهاده في الأذكار ، ولم ينقل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم استظل بعرفات ، مع ثبوت الحديث في صحيح مسلم وغيره عن أم الحصين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم « ظلل عليه بثوب وهو يرمي الجمرة » وقد قدمنا بيان مذهبنا عندما في استظلال المحرم بغير عرفات في باب الإحرام واللّه تعالى أعلم . انتهى . اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الكريم ، الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وعلى آله وذريته وصحابته الطيبين الطاهرين ، واجزه عنا أفضل ما جازيت نبيا عن قومه ورسولا عن أمته ، وأعطه الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود . ولا تحرمنا شفاعته الثابتة التي أتحفته وخصصته بها يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، وتداركنا في تلك الساعة وفي ذلك اليوم