محمد طاهر الكردي
428
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وروي عن سعيد بن المسيب ، أن أبا أيوب أخذ من لحية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا فقال : لا يصيبك السوء يا أبا أيوب . وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة ، وابن أبي عاصم من طريق أبي الخير ، عن أبي رهم في حديث عن أبي أيوب أنه قال : قلت يا رسول اللّه كنت ترسل إلي بالطعام فأنظر فأضع أصابعي حيث أرى أثر أصابعك حتى كان هذا الطعام . قال : أجل ، إن فيه بصلا ، فكرهت أن آكل من أجل الملك ، وأما أنتم فكلوا . وكان أبو أيوب مع علي بن أبي طالب في حروبه كلها ، ثم مات بالقسطنطينية من بلاد الروم زمن معاوية ، وكانت غزاته تلك تحت راية يزيد بن معاوية ، وهو كان أميرهم يومئذ ، وذلك سنة خمسين أو إحدى وخمسين ، وقيل سنة اثنتين وخمسين وهو الأكثر . وقد أسند ابن عبد البر في الاستيعاب ، عن أبي ظبيان ، عن أشياخه أن أبا أيوب خرج غازيا في زمن معاوية ، فمرض فلما ثقل قال لأصحابه : إذا أنا مت فاحملوني ، فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم ، ففعلوا . ولما ولى معاوية يزيد على الجيش إلى القسطنطينية جعل أبو أيوب يقول : وما علي إن أمر علينا شاب . فمرض في غزوته تلك ، فدخل عليه يزيد يعوده فقال له : أوصني . قال : إذا مت فكفنوني ثم مر الناس أن يركبوا ثم يسيروا في أرض العدو حتى إذا لم تجدوا مساغا فادفنوني . قال : ففعلوا . وكان أبو أيوب يقول : قال اللّه عز وجل : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ، فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا . ونقل نحو هذا عن المقداد بن الأسود . وقال ابن القاسم ، عن مالك : بلغني عن قبر أبي أيوب أن الروم يستصحون به ويستسقون وقبر أبي أيوب قرب سور القسطنطينية وهو معلوم إلى اليوم معظم يستسقون به فيسقون ، ولأبي أيوب عقب . وقيل إن يزيد بن معاوية أمر بالخيل بعد دفنه ، فجعلت تدبر وتقبل على قبره ، حتى عفى أثر قبره ، روي هذا عن مجاهد . وقيل إن الروم قالت للمسلمين في صبيحة دفنهم لأبي أيوب : لقد كان لكم الليلة شأن . فقالوا : هذا رجل من أكابر أصحاب نبينا صلى اللّه عليه وسلم وأقدمهم إسلاما ، وقد دفناه حيث رأيتم ، واللّه لئن نبش لأضرب لكم ناقوس في أرض العرب ما كانت لنا مملكة . روي هذا المعنى ، عن مجاهد . وقال مجاهد أيضا : كانوا إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فمطروا ، رضي اللّه عنه وأرضاه ، ومناقبه جمة ، وقد وقفت على تأليف لبعض علماء عصرنا فيه .