محمد طاهر الكردي
398
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
لعازب : مر البراء فليحمل إليّ رحلي . فقال عازب : لا ، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم . قال : ارتحلنا من مكة فأحيينا أو سرنا ليلتنا ويومنا ، حتى أظهرنا ، وقام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه ، فإذا صخرة أتيتها ، فنظرت بقية ظل لها فسويته ، ثم فرشت للنبي صلى اللّه عليه وسلم فيه ، ثم قلت له : اضطجع يا نبي اللّه . فاضطجع النبي صلى اللّه عليه وسلم . ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدا . فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة ، يريد منها الذي أردنا . فسألته فقلت له : لمن أنت يا غلام ؟ فقال : لرجل من قريش سماه فعرفته . فقلت : هل في غنمك من لبن ؟ قال : نعم . قلت : فهل أنت حالب لبنا ؟ قال : نعم . فأمرته فاعتقل شاة من غنمه ، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار ، ثم أمرته أن ينفض كفيه . فقال : هكذا . ضرب إحدى كفيه بالأخرى . فحلب لي كثبة من لبن . وقد جعلت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إداوة على فمها خرقة ، فصببت على اللبن حتى برد أسفله ، فانطلقت به إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فوافقته قد استيقظ . فقلت له : اشرب يا رسول اللّه . فشرب حتى رضيت ، ثم قلت : قد آن الرحيل يا رسول اللّه . قال : بلى . فارتحلنا والقوم يطلبوننا . فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له . فقلت : هذا الطلب قد لحقنا يا رسول اللّه . فقال : لا تحزن إن اللّه معنا . زاد في علامات النبوة . فدعا عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فارتطمت به فرسه إلى بطنها أرى في جلد من الأرض - شك زهير - فقال : إني أراكما قد دعوتما عليّ ، فادعو لي فاللّه لكما أن أرد عنكما الطلب ، فدعا له النبي صلى اللّه عليه وسلم فنجا ، فجعل لا يلقي أحدا إلا قال : كفيتكم ما هنا فلا يلقى أحدا إلا رده . قال : ووفى لنا ا ه . وفي حديث المتن كما قدمنا ظهور قوة توكل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعظم منزلة أبي بكر رضي اللّه عنه حيث جعله اللّه مع نبيه ، وكان تعالى ثالثهما . وفي قصة حديث الهجرة الطويل فوائد منها : خدمة التابع الحر للمتبوع في يقظته ، والذب عنه عند نومه ، وخدمة التلميذ لشيخه ، وما تثمره من المزايا في المآل لما حصل للصديق من الفضل في الدنيا والآخرة . أما الدنيا فلا فضل فيها أعظم من إجماع المسلمين على أنه هو الأحق بخلافة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبيعتهم له بعد النزاع أولا . وأما الآخرة فقد دلت الأدلة على أنه فيها من أعظم هذه الأمة