محمد طاهر الكردي
390
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وكان من حديث الغار كما قاله عياض وغيره أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبيتوه ، فأمر عليا أن يرقد على فراشه ، وقال : إنهم لن يضروك . فخرج عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهم على الباب ولم يروه ، ووضع على رأس كل واحد التراب ، وانصرف عنهم إلى غار ثور فاختفى فيه . وأخبروا أنه قد خرج عليهم ووضع التراب على رؤوسهم فمدوا أيديهم إلى رؤوسهم فوجدوا التراب ، فدخلوا الدار فوجدوا عليا على الفراش فلم يتعرضوا له ، ثم خرجوا من كل وجه يطلبون النبي صلى اللّه عليه وسلم ويقتفون أثره بقائف معهم إلى أن وصلوا الغار ، فوجدوا العنكبوت قد نسجت عليه . وما أحلى قول بعضهم في هذا المعنى : ودود القز إن نسجت حريرا * يحمل لبسه في كل شيء فإن العنكبوت أجل منها * بما نسجت على غار النبي ( قال الأبّي ) قال السهيلي : ولما وصل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار تقدم أبو بكر رضي اللّه عنه في الدخول ليقيه بنفسه ، ورأى فيه حجرا فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال ثابت في الدلائل : ولما دخلاه أنبت اللّه سبحانه وتعالى على بابه الراءة بالمد ، وهي شجرة من غلاة الشجر تكون مثل قامة الإنسان لها خيطان وزهر أبيض يحشى به المخاد ؛ كالريش في خفته ولينه . وفي سند البزار أن اللّه تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار وأرسل حمامتين وحشيتين فعششتا على فم الغار ، وأن ذلك مما صد المشركين عنه ، وأن حمام مكة من نسل تينك الحمامتين ، وأن قريشا لما انتهى بهم القائف إلى فم الغار وجدوا ما ذكر على فم الغار ، فحين رآهم أبو بكر رضي اللّه عنه اشتد خوفه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : إن قتلت فإنما أنا رجل ، وإن قتلت أنت هلكت الأمة . فحينئذ قال صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر : لا تحزن إن اللّه معنا أي بالحفظ والكلاءة ا ه . وقولي واللفظ له أي لمسلم . وأما البخاري فلفظه في باب مناقب المهاجرين وفضلهم : ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللّه ثالثهما . ولفظه من كتاب التفسير في باب قوله تعالى : ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا . ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما . ولفظه في الهجرة : اسكت يا أبا بكر اثنان اللّه ثالثهما . فهذا لفظ البخاري في رواياته الثلاث وفي قوله تعالى : إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ دليل على أن من أنكر صحبة أبي بكر رضي اللّه عنه كفر لتكذيبه القرآن ( فإن قلت ) : لا دلالة في