محمد طاهر الكردي
388
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة لما سمعت قريش مبايعة الأنصار لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنهم يدافعون عنه ويمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم ، ساءهم ذلك جدا . فاجتمع عظماؤهم ورؤساؤهم في دار الندوة ، للتشاور فيما بينهم ووضع خطة محكمة توقف النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الدعوة إلى الإسلام ، وبعد أن أدلى كل منهم رأيه أجمعوا على قتله بكيفية لا يقدر بها بنو عبد مناف على حرب قريش كلهم بل يرضون بالدية ، وذلك بأن يأتي من كل قبيلة شاب قوي شجاع ثم يجتمعوا أمام داره ، فإذا خرج محمد صلى اللّه عليه وسلم ضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل . فعندئذ أعلم اللّه عز وجل نبيه الكريم بما دبره له أعداؤه ، وأمره بالهجرة إلى المدينة المنورة ، فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه في وقت الظهيرة ، وأخبره بأن اللّه تعالى قد أذن له بالهجرة . فسأله أبو بكر الصحبة ، فقال : نعم . ثم اتفقا على المقابلة ليلا خارج مكة ، وكانت هذه الليلة هي ليلة استعداد شباب قريش لتنفيذ الخطة التي رسموها لقتله صلى اللّه عليه وسلم ، فاجتمعوا حول باب داره ورسول اللّه داخلها ، فلما أراد الخروج أمر ابن عمه علي بن أبي طالب أن يبيت مكانه على فراشه ، وقال له : إنهم لن يضروك ، فألقى اللّه على أعدائه النوم فخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم من الدار ، ووضع على رأس كل واحد منه التراب وهو يقرأ قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ولم يزل عليه الصلاة والسلام سائر حتى تقابل مع أبي بكر الصديق فسارا معا حتى بلغا غار ثور فاختفيا فيه . أما المشركون فحينما استيقظوا ووجدوا التراب على رؤوسهم علموا أن محمدا قد خرج من الدار ، فدخلوها فوجدوا عليا على الفراش فلم يتعرضوا له ، ثم خرجوا يطلبونه صلى اللّه عليه وسلم في كل جهات مكة وجعلوا الجوائز لمن يأتي به أو يدلهم عليه ، ولقد وصلوا إلى الغار الذي اختفى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع أبي بكر بجبل ثور ، فحين رآهم أبو بكر اشتد خوفه على النبي صلى اللّه عليه وسلم وبكى وقال له : إن قتلت فإنما أنا رجل واحد ، وإن قتلت أنت هلكت الأمة . فحينئذ قال له صلى اللّه عليه وسلم : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فأعمى اللّه أبصار المشركين فلم يروهما في ذلك الغار وإلى