محمد طاهر الكردي

385

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية وعدم استحالتها على الجملة ، وقد قيل لا تدركه أبصار الكفار ، وقيل لا تدركه الأبصار لا تحيط به ، وهو قول ابن عباس ، وقد قيل لا تدركه الأبصار وإنما يدركه المبصرون . وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها . وكذلك لا حجة لهم بقوله تعالى : لَنْ تَرانِي وقوله : تُبْتُ إِلَيْكَ لما قدمناه ولأنها ليست على العموم ، ولأن من قال أن معناها لن تراني في الدنيا إنما هو تأويل ، وأيضا فليس فيه نص الامتناع ، وإنما جاءت في حق موسى . وحيث تتطرق التأويلات وتتسلط الاحتمالات فليس للقطع إليه سبيل . وقوله تعالى : تُبْتُ إِلَيْكَ أي من سؤالي ما لم تقدره لي . وقد قال أبو بكر الهذلي في قوله : لَنْ تَرانِي أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إليّ في الدنيا وأنه من نظر إليّ مات . وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه : أن رؤيته تعالى في الدنيا ممتنعة لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم ، وكونها متغيرة عرضا للآفات والفناء فلم تكن لهم قوة على الرؤية ، فإذا كان في الآخرة وركبوا تركيبا آخر ورزقوا قوى ثابتة باقية ، وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم قووا بها على الرؤية . وقد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس رحمه اللّه ، قال : لم ير في الدنيا ؛ لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رؤي الباقي بالباقي . وهذا كلام حسن مليح وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة ، فإذا قوى اللّه تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه . وقد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى ومحمد صلى اللّه عليهما وسلم ونفوذ إدراكهما بقوة إلهية منحاها لإدراك ما أدركاه ورؤية ما رأياه ، واللّه أعلم . وقد ذكر القاضي أبو بكر في أثناء أجوبته عن الآيتين ما معناه : أن موسى عليه السلام رأى اللّه فلذلك خرّ صاعقا ، وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه اللّه له ، واستنبط ذلك واللّه أعلم من قوله : وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ، ثم قال : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً وتجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه على هذا القول . وقال جعفر