محمد طاهر الكردي

364

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

اللّه في صغره من قتل نمرود ، كما نجاه من النار حين ألقي فيها ، وموسى نجاه اللّه من قتل فرعون في صغره ، كما نجاه من الغرق حينما ألقي في اليم وهو رضيع . ولنذكر هنا ما لكل منهما علينا من الفضل : فسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام له فضل عام على العرب والأمة المحمدية ، وفضل خاص على أهل مكة ، فأما الفضل العام على العرب والأمة المحمدية فدعاؤه لهم بالهداية والتوفيق كما في القرآن الكريم : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وفي آية أخرى : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ . وأما الفضل الخاص على أهل مكة : فإنه أول من اكتشفها ونزل بها وعمرها ، وأسكن فيها ابنه إسماعيل وأمه هاجر ، اللذين بسببهما ظهر ماء زمزم ، وعلى يدي إبراهيم وإسماعيل بنيت الكعبة المعظمة ، وأن إبراهيم ترك لديهم مقامه الكريم المحترم ، وحرّم مكة وصيرها مأمنا ، ودعا لأهلها بالرزق والبركة فيما كان عندهم من ماء ولحم ولبن ، وهو الذي أذن في الناس بالحج ودعاهم إليه ، فصاروا يقصدون مكة في أيام معلومات من كل فج عميق ، وبذلك اتسعت عمرانها وكثرت أرزاقها وخيراتها كما أتى كل ذلك صريحا في القرآن الكريم . ففي سورة البقرة : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ ، وفي سورة إبراهيم : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ، ولقد استجاب اللّه تعالى منه جميع دعائه بفضله ورحمته ، فجزاه اللّه عنا ما هو أهله . أما موسى الكليم عليه الصلاة والسلام : فإحسانه عظيم أيضا على الأمة المحمدية قاطبة . حيث طلب من نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ليلة عرج به واجتمع معه في السماء السادسة أن يراجع ربه عز وجل في تخفيف الصلاة عن أمته التي فرضها اللّه تعالى عليهم أولا ، وقال له : إن أمتك لا تطيق ذلك ، فلم يزل رسول اللّه يرجع بين ربه عز وجل وبين موسى عليه السلام حتى بلغ التخفيف عنا إلى خمس صلوات كل يوم وليلة بعد أن كانت خمسين صلاة .