محمد طاهر الكردي
26
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
العلاقات وتواترها على مرّ العصور ، وما الخط إلا أحد المظاهر الحضارية المتأصلة في النفوس والوجدان . وحينما تتواصل المسيرة وتتهيأ الأداة وتتحكّم القدوة الصالحة وتتحفز الاستعدادات الفنية بأصالة واقتدار ، تتحرّك النفوس الطموحة لتجسد ذلك نماذج تظهر وكأنها شعلة من الحيوية والنشاط ، فترفد المجال بدفق غزير من النتاجات المنوّعة على الأصعدة المختلفة في الاتجاهات المتعلقة بالخط - على كثرتها - باعتباره عنصرا فاعلا في صلب الحياة الحضارية لهذه الأمة ، يبرز بخصوصية في اللغة والفن والتاريخ والآثار . ومن هذا المنطلق يقيم المرحوم العلامة محمد طاهر الكردي المكي الخطاط الذي يشكّل لبنة وهّاجة في صرح الثقافة والفن والآداب والتاريخ في السعودية وفي العراق وقد تخطّى ذلك إلى آفاق أرحب ، فكان له فضل الريادة ولا نستطيع بهذه العجالة تغطية فضل الرجل الذي كان غزيرا في إنتاجاته إلى أن داهمه مرض عضال عام 1383 ه ( 1963 م ) أقعده عن نشاطاته المختلفة حتى وفاته في 23 ربيع الثاني 1400 ه ( آذار 1980 م ) إلا من تحركات محدودة في المتابعات الثقافية واللقاءات الشخصية وبعض المراجعات لمؤلفاته وخاصة في تاريخ الخط . إن ما سنعرضه هنا - للقارئ الكريم - من جوانب حياته الجمّة النشاط لا يتجاوز التعريف بمشاركاته في المجالات المختلفة بالقدر الذي يسمح به المقام والتركيز على نشاطاته في مجال الخط استقيناها من ثنايا بعض مؤلفاته والمراسلات المتبادلة بيننا نتيجة العلاقة الحميمة التي ربطتني به خلال العقد الأخير من حياته . ولد الشيخ محمد طاهر سنة 1321 ه ( 1903 م ) في وسط ديني فقد كان أبوه عبد القادر بن محمود الكردي قد ترك أربيل في شمال العراق ليسكن في مكة المكرمة ويجاور فيها ، وتلك سنّة درج عليها الناس منذ القديم ، تقربا إلى اللّه واجتهادا في العبادة ، وقد اهتم الوالد بتربية ولده بشكل يحقّق طموحه الديني ، فرعاه بحنان ، خاصة بعد أن فقد والدته أوائل سنة 1334 ه . نشأ الطفل النجيب في مكة المكرمة ودخل مدرسة الفلاح فيها وقد تخرج منها سنة 1339 ه ( 1920 م ) عندها صحبه والده إلى مصر وأدخله الأزهر لمواصلة طلب العلم سنة 1340 ه ( 1921 م ) وهكذا استمر اهتمام الوالد به