محمد طاهر الكردي

295

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

فأرسل إليه أرياط : قد أنصفت ، فخرج إليه أرياط وكان رجلا عظيما طويلا وسيما وفي يده حربة له ، وخرج له أبرهة وكان رجلا قصيرا حادرا لحيما دحداحا وكان ذا دين في النصرانية ، وخلف أبرهة عبدا له يحمي ظهره له يقال له " عتودة " فلما دنى أحدهما من صاحبه ، رفع أرياط الحربة فضرب بها رأس أبرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفتيه ، فبذلك سمي " أبرهة الأشرم " وحمل غلام أبرهة عتودة على أرياط من خلف أبرهة فزرقه بالحربة فقتله ، فانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن ، وكان ما صنع أبرهة من قتله أرياط بغير علم النجاشي ملك الحبشة بأرض أكسوم من بلاد الحبش . فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا وقال : عدا على أمير بغير أمري فقتله ، ثم حلف النجاشي ألا يدع أبرهة حتى يطأ أرضه ويجز ناصيته ، فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه ثم ملأ جرابه من تراب أرض اليمن ثم بعث به إلى النجاشي وكتب إليه : أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك اختلفنا في أمرك ، وكلنا طاعة لك إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة منه ، وأضبط وأسوس لهم منه وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك وبعثت به إليه مع جراب من تراب أرضي ليضعه تحت قدميه فيبر بذلك قسمه . فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه وكتب له أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فأقام أبرهة باليمن ، وبنى أبرهة عند ذلك " القليس " ، بصنعاء إلى جنب غمدان فبنى كنيسة وأحكمها وسماها القليس وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة : أني قد بنيت لك كنيسة لم بين مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف حاج العرب إليها ، قال أبو الوليد : أخبرني محمد بن يحيى قال : حدثني من أثق به من مشيخة أهل اليمن بصنعاء أن يوسف ذا نواس - وهو صاحب الأخدود الذي حرق أهل الكتاب بنجران - لما غرقه اللّه عز وجل وجاءت الحبشة إلى أرض اليمن فعبروا من دهلك حتى دخلوا صنعاء وحرقوا غمدان وكان أعظم قصر يعلم في الأرض وغلبوا على اليمن وبنى أبرهة الحبشي القليس للنجاشي وكتب إليه أني قد بنيت لك بصنعاء بيتا لم تبن العرب ولا العجم مثله ولن أنتهي حتى أصرف حاج العرب إليه ويتركون الحج إلى بيتهم . فبنى القليس بحجارة قصر بلقيس الذي بمأرب . وبلقيس صاحبة الصرح الذي ذكره اللّه في القرآن في قصة سليمان وكان سليمان حين تزوجها ينزل عليها فيه إذا جاءها . انتهى من الأزرقي .