محمد طاهر الكردي

274

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

واضحة المعالم ، وكل أفعاله وأقواله قد أحصاها معاصروه في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، بل هو النبي الفذ الذي يمكن أن يسمى شخصية تاريخية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ، إذ أن سيرته معروفة منذ نعومة أظفاره إلى أن اختاره اللّه لجواره ، ولا سيما الفترة التي أدى فيها الرسالة . ولست أغالي إذا قلت أنني أعرفه أكثر مما أعرف أبوي ، ثم أليس من العجيب أننا لا نجد فيما أثر عنه - على كثرته - إلا كل ما يدعو إلى الاحترام والإعجاب ، ولست أدرى ماذا يكون رأينا في غيره إذا أتيح لنا أن نعرف أكثر مما نعرف عنه ، فإن سيرة غيره من الأنبياء مضروب عليها حجاب من الغموض والأساطير ، ولا نعرف من حياتهم اليومية إلا القليل . وما يحكى عنهم يشبه كلام الكهان ، حتى لا يتصور العقل أنهم أشخاص حقيقيون ولكن تاريخ النبي صلى اللّه عليه وسلم معروف أكثر من أية شخصية أخرى في التاريخ ، وإنه لمن دواعي العجب أن العدو لا يجد وجها للنقد فيما روي عنه وهو كثير . وهنا يظهر فضل النبي على غيره ، وهذا أحد الأسباب الكثيرة التي تحملنا على القول بأنه المثل الأعلى في الأنبياء ، فسجل أقواله وأفعاله كامل غير منقوص ، وسننه القولية والفعلية يتمم بعضها بعضا ، وكأن كل مطلب من المطالب الروحية قد قدر وعمل حسابه ، فكل ما يعرض للإنسان مما دق أو جل يتجلى في مرآة حياته . لا أستطيع أن أقول باعتباري مسلما أن غيره من الأنبياء لم يؤدوا رسالتهم كاملة ، بل كل ما أريد أن أقوله أننا لا نجد في كل ما أثر عنهم إلا القليل مما يفي بحاجة البشر ، ولابد أنهم قد أدوا ما أرسلوا به ، ولكن مؤرخيهم لم يقوموا بحقهم . ولا يسعني إزاء قلة ما أثر عنهم إلا أن أقول ، أنه لولا محمد صلى اللّه عليه وسلم ما استطعنا أن نفهم قدر النبوة ، إذ لو كانت وظيفة النبي مقصورة على القول دون العمل ، وإلقاء بعض العظات دون أن يعمل في حياته شيئا لرفعة الإنسانية ، بل يكرر الدروس التي ألقاها غيره بعبارة أخرى ، لما كان هناك معنى للرسالة الإلهية لأننا نستطيع أن نتعلم هذه الدروس نفسها ممن لم يدع أنه مرسل من عند اللّه . ثم جاء فيه أيضا بصحيفة ( 42 ) ما نصه : وإذا نظرنا في حال من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وجدنا أنه لا يخلو من أمرين :