محمد طاهر الكردي
263
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وكان النسيء الأول للمحرم وسمي صفر به وشهر ربيع الأول باسم صفر ثم والوا بين أسماء الشهور ، وكان النسئ الثاني للصفر وسمي الذي كان يتلوه بصفر أيضا وكذلك حتى دار النسئ دورته في الشهور الاثني عشر وعاد إلى المحرم فأعادوا بها فعلهم الأول وكانوا يعدون النسئ ويحددون به الأزمنة فيقولون قد دارت السنون من زمان كذا إلى زمان كذا دورة فإن ظهر لهم مع ذلك فقدم شهر عن فصله من الفصول الأربعة لما يجتمع كسور سنة الشمس الذي ألحقوه بها كبسوها كبسا ثانيا وكان يتبين لهم ذلك بطلوع منازل القمر وبسقوطها حتى هاجر النبي عليه الصلاة والسلام كانت نوبة النسئ كما ذكرت بلغت شعبان وسمي محرما شهر رمضان صفر فانتظر النبي صلى اللّه عليه وسلم حينئذ حجة الوداع وخطب للناس وقال فيها : « ألا وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق اللّه السماوات والأرض » ، عنى بذلك أن الشهور قد عادت إلى مواضعها وزال عنها فعل العرب بها ، ولذا سميت حجة الوداع الحج الأقوم ، ثم حرم ذلك وأهمل أصلا . انتهى . هذا الفلكي الجليل هو أعظم الشارحين بيانا وتفصيلا لذلك قد اتخذناه إماما والمؤرخون أجمعوا على أن العرب مدة حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم كانوا يستعلمون النسئ الشمسي في حساب تواريخهم . كلما ذكر المؤرخون العرب يوم ميلاد سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أو يوم نزول القرآن الشريف أو يوم الهجرة أو يوم خطبة الوداع كانوا يذكرونه على حساب التاريخ الذي كانوا يستعملونه في ذاك الزمان بالنسئ ، فجميع المؤرخين الميقاتيين وغيرهم الذين حسبوا تاريخ مولد سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم وتاريخ نزول القرآن الشريف بالحساب القمري أنهم يحسبون على ما لم يكن العرب يستعملونه . شهد اللّه أن التاريخ بالنسئ ما زال قائما في الحج وفي حساب العرب بدليل قوله تعالى في سورة التوبة : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ ، يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً ، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ، فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ .