محمد طاهر الكردي

255

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

قائلة : ( النجاء النجاء ) ، ولكن إلى أين إنكم لتفرون من مكة كأن شيئا أزعجكم عنها وقد كنتم فيها آمنين ، وقد كنا نفر إليكم لأن شيئا أزعجنا عن دورنا ، وأخرجنا من مأمننا ، واضطرنا إلى أن نهيم في الأرض ، لا ندري ما هو ، ولا ندري من أين جاء ، وإنا لنتسامع من أطراف الأرض بأن حدثا قد حدث ، وبأن كائنا قد كان ، إنا لنتسامع بأن إيوان كسرى قد اضطرب ومادت به الأرض فسقطت شرفاته وتهدم بنيانه . وإذا أصوات أخرى تصيح منتشرة في الفضاء ، وإنا لنتسامع بأن نار الفرس قد خبت فجأة لأول مرة منذ ألف سنة . وإذا أصوات أخرى تصيح . إنا لنتسامع بأن بحيرة ساوة قد جفت ، وما عهدناها إلا غزيرة جمة الماء . وإذا هذه الأصوات كلها تملأ الأرض ، رقيقة خفيفة خائفة قلقة : ( النجاء النجاء ) . إن للسماء لخبرا وإن الأرض لتستقبل يوما لم تستقبله من قبل ، وإن لهذا اليوم في حياة الأرض لشأنا لا ندري أخير هو أم شر . ( النجاء النجاء ) ، ولقد فقدت صوابي وأضللت عقلي فلا أحس شيئا ، ولا أرى شيئا ولا أسمع شيئا ، كأنما انتزعت من الحياة انتزاعا . ثم يمسني برد السحر فأفيق وكأنما ثبت إلى نفسي من سفر بعيد . وأنظر حولي فأرى أصابع الفجر تمتد إلى الأشياء كأنما تريد أن تلمسها ، وأرى الليل ينحسر عن الأشياء كأنما يودعها محزونا ، وأرى النجوم تنهزم في السماء كأنما تخاف جيشا منتصرا ، وأرى ناقتي مذعنة لحكم السرى تمضي أمامها كأن شيئا لم يكن من حولها وأبلغ أهلي مع الصبح فيستقبلونني دهشين كما كنت أقدر ولكني لا أستمتع بهذا الدهش كما كنت أريد . ويتفرق الناس عن هذا الرجل وقد سمعوا منه ، وإن بعضهم ليسأل بعضا : ماذا يقول وماذا رأى ؟ وإن بعضهم ليقول لبعض : لقد أخذه النوم فعبثت به الأحلام . وإن بعضهم ليقول لبعض : لقد مر بجماعة من جن الصحراء كانوا يسمرون . ويسمع عبد المطلب هذا كله فتثور في نفسه خواطر لا ينكرها ولا يعرفها ، ولكنه لا يطيل الوقوف عندها ، لأنه مشغول عنها بمقدم حفيده اليتيم . انتهى من كتاب على هامش السيرة .