محمد طاهر الكردي

244

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وأول من بني هذه المقصورة عمر بن عبد العزيز في عمارته للمسجد ، ونزل بأساسها إلى غور بعيد ، وجعلها على الشكل المزور المتقدم حتى لا تكون مثل الكعبة في تربيعها ، خوفا من أن يتخذها الناس قبلة لهم ، وكانت الحجرة الشريفة تسع قبرا رابعا . ويزعمون أنه مكان قبر عيسى عليه السلام بعد نزوله من السماء في آخر الزمان . وقد قيل فيه لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة : لو أتيت المدينة وأقمت بها ، فإن مت دفنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبيه رضي اللّه عنهما ، فقال واللّه لأن يعذبني اللّه عز وجل بكل عذاب إلا النار أحب إليّ من أن يعلم أني أرى نفسي لذلك أهلا . فانظر إلى درجة أدب الرجل وتنكسه مع ما كان فيه من سعة الملك الذي حلق على أطراف المعمورة بأجمعها رضي اللّه عنه . وفي سنة 557 بلغ نور الدين زنكي أن الصليبيين الذين كان مشتغلا بمحاربتهم كانوا يعملون لسرقة الجثة الشريفة ، فأمر بإحاطة الحجرة الشريفة ببناء آخر ، نزل بأساسه إلى منابع الماء ، ثم صب الرصاص على دائره حتى صار بحيث لا يمكن أن تتناوله يد الزمان ، وقد وضع على هذا البناء ستر من الحرير الأخضر مكتوب فيه " لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه " ، يحيط بها أحجبة مكتوب فيها قوله تعالى : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ، وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ . وفيما بين ذلك دوائر مكتوب فيها أسماء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويحيط بهذا الستر ( على ارتفاع مترين ونصف تقريبا ) حزام من الحرير الأحمر عرضه نحو ثلاثين سنتيمترا مكتوب فيه بقصب الذهب اسم السلطان الذي أمر بعمل الستر الشريف ، وهذه الكسوة ترسل من الدولة العلية عند تولية كل ملك من ملوكها ، والكسوة الحالية وصلت إلى الحجرة الشريفة بعد إعلان الدستور . وأول من كسا الحجرة الشريفة الخيزران أم هارون الرشيد ، عندما قدمت في حجها لزيارة النبي صلى اللّه عليه وسلم . وصارت من بعدها سنة الملوك والسلاطين . وبين بناء المقصورة والشبكة النحاسية الخارجة طرقة متوسطة سعتها نحو ثلاثة أمتار من جهاتها الشرقية والغربية والقبلية ، وفي زاوية هذه الطرقة ، من الجنوب ، كرسي موضوع عليه مصحف شريف كبير ، أهداه إلى الحجرة الشريفة الحجاج بن يوسف الثقفي ، ويقولون إنه من المصاحف الستة التي كتبها عثمان بن عفان .