محمد طاهر الكردي

231

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

جاءت من سبيله ، وإن لم يكن لها منه دليل فقد كانت هي من دليله ، محكمة الفصول حتى ليس فيها عروة مفصولة ، محذوفة الفضول حتى ليس فيها كلمة مفضولة ، وكأنما هي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلم ، وإنما هي في سموها وإجادتها مظهر من خواطره صلى اللّه عليه وسلم ، إن خرجت في الموعظة قلت أنين من فؤاد مقروح ، وإن راعت بالحكمة قلت صورة بشرية من الروح ، في منزع يلين فينفر بالدموع ، ويشتد فينزو بالدماء ، وإذا أراك القرآن إنه خطاب السماء للأرض ، أراك هذا إنه كلام الأرض بعد السماء ، وهي البلاغة النبوية ، تعرف الحقيقة فيها كأنها فكر صريح من أفكار الخليقة ، وتجيء بالمجاز الغريب فترى من غرابته أنه مجاز في حقيقة ، وهي من البيان في إيجاز تتردد فيه ( عين ) البليغ فتعرفه مع إيجاز القرآن فرعين ، فمن رآه غير قريب من ذلك الإعجاز فليعلم أنه لم يلحق به هذه " العين " أي فليعلم هذا الناظر أنه غير بليغ ، وإذا جعلت من الياء في لفظ ( الإيجاز ) عينا صار ( الإعجاز ) فالتورية ظاهرة في " العين " - على أنه سواء في سهولة أطماعه ، وفي صعوبة امتناعه ، إن أخذ أبلغ الناس في ناحيته ، لم يأخذ بناصيته ، وإن أقدم على غير نظر فيه رجع مبصرا ، وإن جرى في معارضته انتهى مقصرا ، إلى أن قال في فصاحته صلى اللّه عليه وسلم ما نصه : وأن كلامه صلى اللّه عليه وسلم لكما قال الجاحظ : هو الكلام الذي قل عدد حروفه ، وكثر عدد معانيه ، وجل عن الصنعة ، ونزه عن التكلف ، استعمل المبسوط في موضع البسط ، والمقصور في موضع القصر ، وهجر الغريب الوحشي ورغب عن الهجين السوقي ، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة ، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة ، وشد بالتأييد ويسر بالتوفيق ، وهذا الكلام الذي ألقى اللّه المحبة عليه وغشاه بالقبول ، وجمع له بين المهابة والحلاوة ، وبين حسن الإفهام ، وقلة عدد الكلام ، وهو مع استغنائه عن إعادته ، وقلة حاجة السامع إلى معاودته ، لم تسقط له كلمة ، ولا زلت له قدم ، ولا بارت له حجة ، ولم يقم له خصم ، ولا أفحمه خطيب ، بل يبذ الخطب الطوال بالكلام القصير ، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم ، ولا يحتج إلا بالصدق ، ولا يطلب الفلج إلا بالحق ، ولا يستعين بالخلابة ، ولا يستعمل المؤاربة ، ولا يهمز ولا يلمز ، ولا يبطئ ولا يعجل ، ولا يسهب ولا يحصر ، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا ولا أصدق لفظا ، ولا أعدل وزنا ولا أجمل مذهبا ، ولا أكرم مطلبا ولا أحسن موقعا ، ولا أسهل مخرجا ، ولا أفصح عن معناه ، ولا أبين عن فحواه من كلامه صلى اللّه عليه وسلم . ا ه .