محمد طاهر الكردي
214
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن » . رواه البخاري ومسلم واللفظ له . فمن الحديثين الشريفين يعلم أن الأمم السابقة وأهل القرون الأولى كانوا ضخام الأجسام طوال الأعمار ، فأنبياؤهم ، عليهم الصلاة والسلام ، مع طول أعمارهم ودعوتهم المستمرة لم يؤمن بهم من قومهم إلا القليل حتى أن بعضهم لم يؤمن به من قومه إلا رجل واحد . ففي الحديث : « ما صدق نبي ما صدقت ، إن من الأنبياء من لم يصدقه من أمته إلا رجل واحد » . أما نبينا ( محمد ) صلى اللّه عليه وسلم فإنه مع قصر عمره الشريف الذي كان ثلاثا وستين سنة قد آمن به قومه كلهم إلا من كتب عليه الشقاء وهم قليلون - ولقد دخل الناس أخيرا في دين اللّه أفواجا عن حب ورغبة واعتقاد صادق ، وما زال المسلمون يتزايدون في كل زمان ومكان حتى قيام الساعة ، ولم نقف على عدد من آمن به صلى اللّه عليه وسلم منذ بعثته إلى حين وفاته ، ولكنه حينما حج عليه الصلاة والسلام حجة الوداع خرج معه مائة ألف وأربعة عشر ألفا وقيل أكثر من ذلك . واللّه تعالى أعلم بعدد من تخلف عنه صلى اللّه عليه وسلم من المسلمين رجالا ونساء في حجة الوداع التي أعقبها وفاته ، عليه الصلاة والسلام ، ولا يتخلف أحد عن هذه الحجة إلا من عذر قوي قهري . ( الثانية ) أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، إذا ماتوا ومات أصحابهم الذين آمنوا بهم انقطعت شريعتهم وهجرت ملتهم ورجع الناس إلى عبادة الأوثان ، أما نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو خاتم الأنبياء ، فإنه لما مات لم تنقطع ملته وشريعته بل قام الناس باتباع معالم دينه على أكمل وجه - فإن أبا بكر ، رضي اللّه تعالى عنه ، قام يومئذ على المنبر وخطب في الناس فكان من جملة ما قال : أيها أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فان اللّه حي لا يموت . ثم قام الصحابة ، رضي اللّه تعالى عنهم ، بالدعوة إلى اللّه تعالى وجهاد الكفار في جميع الممالك والأمصار ، حتى انتشر الدين الإسلامي الحنيف في ربوع الأرض ورسخت راياته في الخافقين ، ولا يزال هذا الدين القويم ثابتا قائما إلى قيام الساعة ، ولا تزال طائفة من الأمة المحمدية ظاهرين على الحق قوامين على أمر اللّه ولا يضرها من خالفها حتى تقوم الساعة .