محمد طاهر الكردي
179
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
عبدا خيره اللّه بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده ، فاختار ما عنده » - إلى آخر ما جاء في صحيح البخاري في أوائل باب الهجرة . وانظر أيضا إلى قوله عليه السلام حينما نزلت سورة النصر : « نعيت إلي نفسي » كما تقدم . وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام لمولاه أبا مويهبة كان يزور معه أهل مقابر البقيع في ليلة قبيل موته بأيام فإنه صلى اللّه عليه وسلم قال له : « يا أبا مويهبة : إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة - قال أبو مويهبة : بأبي أنت وأمي ، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة - قال : لا واللّه يا أبا مويهبة ، لقد اخترت لقاء ربي والجنة . ثم استغفر لأهل البقيع وانصرف عليه الصلاة والسلام عائدا إلى بيته ، فبدأ يشعر بالوجع » . كما رواه ابن إسحاق - وأبو مويهبة من مولدي مزينة اشتراه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأعتقه وقد شهد غزوة ( المريسيع ) . فمما تقدم ومن بعض إشارات القرآن يعرف أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كان عالما بقرب أجله مترقبا بشوق ورغبة ، لأنه سينتقل إلى الرفيق الأعلى ، خصوصا وقد رأى الجنة ومنزلته فيها بعيني رأسه ليلة الإسراء والمعراج ، ويرى على الدوام الملائكة الكرام وفي مقدمتهم أمين الوحي روح القدس عليه السلام . وإذا تأملت في قوله ، صلى اللّه عليه وسلم وسلم لابنته فاطمة ، رضي اللّه عنها ، في مرضه إذ أسر إليها : « إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا قد حضر أجلي . . . الحديث » وأنه أسر إليها أيضا أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه كما جاء في الصحيح . إذا تأملت هذا وغيره علمت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما كان ليخفى عليه أمر موته بل لقد أشار ، عليه الصلاة والسلام ، إلى اقتراب أجله وموته في حجة الوداع حين خطب الناس خطبته المشهورة فكان مما قال : « أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا . . . » ، ولقد كان كما قال ، صلى اللّه عليه وسلم . ومن هنا ، اقتداء بنبينا " محمد " صلى اللّه عليه وسلم ، نرى الصالحين من أمته لا يخافون من الموت بل يتلقونه بغاية الرضا والاستسلام لحسن ظنهم باللّه عز وجل ، ولاعتقادهم أنه تعالى سيتلقاهم بعظيم رحمته وفضله وإحسانه - وأن من يخشى الموت لا يخشاه لذاته وقد علم أنه حق مكتوب ولكنه يخشى ما بعد الموت من