محمد طاهر الكردي

177

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

فسبحان من تفرد بالبقاء وسبحان من تعزز بالقدرة وسبحان من قهر العباد بالموت . وإليك الكلام بالتفصيل عن وفاة نبينا " محمد " صلى اللّه عليه وسلم ، فنقول وباللّه التوفيق ونسأل اللّه الراحة عند الموت والعفو عند الحساب إنه بعباده لطيف خبير . ( اعلم ) رحمنا اللّه وإياك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حج حجة الوداع - بفتح الواو ، في السنة العاشرة من الهجرة وخرج لها من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة ، ومكث في الطريق ثمان ليال - وهي المسافة الوسطى بالجمال بين مكة والمدينة - وخرج معه صلى اللّه عليه وسلم تسعون ألفا وقيل مائة ألف وأربعة عشر ألفا وقيل أكثر - كما حكاه البيهقي - وكان وقوفه بعرفة يوم الجمعة كما ثبت وتواتر . ثم بعد أن أدى صلى اللّه عليه وسلم مناسك الحج ، وأقام بمكة عشرة أيام رجع إلى المدينة - وسميت حجة الوداع ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم توفي فلم يحج بعدها - ولقد كان عليه الصلاة والسلام عارفا بذلك - فإنه قال في خطبته يوم عرفة : « أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا . . . » ، إلى آخر خطبته العظيمة الشهيرة - وفي صحيح البخاري عن زيد بن أرقم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حج بعد ما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها وهي حجة الوداع . ا ه . وقد فرض الحج في أواخر السنة الخامسة وقيل فرض في السنة السادسة . ثم استقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العام الحادي عشر من الهجرة في المدينة ، وفي اليوم السادس والعشرين من شهر صفر جهز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جيشا لغزو الشام وفيهم كبار المهاجرين والأنصار ، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد رضي اللّه تعالى عنهم - وولى على هذا الجيش أسامة بن زيد وهو يومئذ في السابعة عشرة من عمره رضي اللّه تعالى عنه - ولكن هذا الجيش لم يخرج في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المدينة بسبب بدء مرضه بل خرج بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم وبعد تولية أبي بكر رضي اللّه عنه ، فإن أول عمل عمله أبو بكر بعد توليته أن سير جيش أسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما ، وخرج بنفسه يشيعه ماشيا وأسامة راكب - فقال له أسامة : يا خليفة رسول اللّه لتركبن أو لأنزلن ، فقال أبو بكر : واللّه ما نزلت ولا ركبت ، وما عليّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل اللّه ، فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له وسبعمائة درجة ترفع له وسبعمائة سيئة تمحى عنه - ثم أوصاه وأصحابه - ثم قال أبو بكر لأسامة : أرأيت أن تأذن لعمر بالمقام