محمد طاهر الكردي

144

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

فوق الجبل من الطريق لأنه مرتفع نحو نصف قامة محاط بالأحجار ، والجبل مسطح من أصل الخلقة وليس فوق الجبل ولا في أسفل الوادي قبر غير قبرها ، يصدق عليه قول القائل : وقبر حرب بمكان قفر * وليس قرب قبر حرب قبر وقد بنت الأتراك أيام حكمهم للحجاز على هذا القبر قبة قوية بالأحجار والنورة البلدية ، هدمتها الحكومة السعودية عند دخولها الحجاز ، وحول هذه الجبال يوجد كثير من نبات الإذخر وهو نبت كروي الشكل كالحبحب " البطيخ " عطري الرائحة ييبس في الصيف عند اشتداد الحر ثم يخضر في الربيع عند نزول الأمطار ولا يموت شيء منه إذا يبس ، وهذا الوادي لما كان مطروقا من قديم الزمان كانت الآبار فيها متعددة ، فقد كانت القوافل تمر مع جبال الأبواء من عند قبر أم النبي صلى اللّه عليه وسلم . ولقد سألنا العرب هناك عن سبب دفن أم النبي صلى اللّه عليه وسلم فوق الجبل ، فقالوا : إن هذا الموضع لم يكن محطة لنزول القوافل لعدم وجود سكان به قديما وحديثا ، لذلك لم تكن به قبور حتى تدفن في أحدها ، ولقد دفنوها فوق الجبل خوفا عليها من السيول والسباع واختاروا لدفنها هذا الجبل بالذات ؛ لأنه هش سهل التكسر والحفر ، ولأنه غير مرتفع وغير مسنم بل أعلاه عريض مسطح . فوجدنا كلامهم مقبولا معقولا واضحا كالشمس - فاستنتجنا من ذلك أن أم النبي صلى اللّه عليه وسلم لم تمرض بالمدينة حين إقامتها بها وإلا لم تخرج منها ، وأنها أيضا لم تمرض في الطريق وإلا للبثت في إحدى القرى والمحطات حتى تتماثل للشفاء ، خصوصا وأنه يستحيل على المريض السفر أياما على الجمال في ذلك العهد ، إذا فيكون موتها بغتة في مدخل الأبواء بقرب ذلك الجبل ، كانت في الاحتضار نحو ساعة أو ساعتين ثم ماتت فغسلها المسافرون معها من بئر الرعاة القريبة منهم ودفنوها فوق ذلك الجبل . ولا شك أن موتها بغتة وهي في حالة السفر رحمة وكرامة لها ولابنها الصغير الذي لم يتجاوز السادسة " محمد " ذلك النبي الكريم صلى اللّه عليه وسلم ، فلو مرضت في الطريق لتعب ابنها الطفل الصغير وحاضنته أم أيمن رضي اللّه تعالى عنها كانت معهم أشد التعب وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ .