محمد طاهر الكردي
138
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وهذه الزيارة قيل كانت في الأبواء في عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة ، وقيل كانت بمكة في حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة - واللّه تعالى أعلم - أي أن هذه الزيارة كانت بعد وفاة أمه صلى اللّه عليه وسلم بستين سنة تقريبا ، سواء كان جسدها سليما صحيحا في قبرها أم ذاب وفني في التراب ، فإن اللّه عز وجل قادر على أن يحييها بكامل جسمها وعقلها وحواسها كما يحيي الأموات بعد دفنهم في قبورهم للسؤال وحين البعث ، فيخاطبها صلى اللّه عليه وسلم وتخاطبه معجزة وكرامة له عليه الصلاة والسلام واللّه على كل شيء قدير - فعن أبي جرير عن علقمة بن مرثد عن سليمان عن أبيه : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قبر فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا فقلنا : يا رسول اللّه إنا رأينا ما صنعت . . . إلخ » . وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد اللّه بن مسعود « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتى إلى المقابر فاتبعناه ، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام ، فقام إليه عمر بن الخطاب فدعاه ثم دعانا ، فقال : ما أبكاكم ، قلنا : بكينا لبكائك ، فقال : إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي . . . الخ » - ا ه . فالذي نذهب إليه عن حسن ظن وتعقل : أنه لو كانت أمه صلى اللّه عليه وسلم في النار لكانت معذبة في قبرها ، ولو كانت معذبة في قبرها لما أذن اللّه تعالى لنبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم في زيارتها ، حتى لا يراها معذبة في قبرها محاطة بالنار ، فإن ذلك مما يزيد في حزنه وبلائه مدة حياته ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم في زيارته لقبر أمه كشف له عن حالتها فرآها ورأته وخاطبها وخاطبته في أمور لا يعلمها إلا اللّه سبحانه وتعالى - أما بكاؤه صلى اللّه عليه وسلم عندما قام من قبرها ، فللذكرى والتفكر في يتمه وكونها ماتت وتركته طفلا صغيرا في السادسة من عمره فبقي يتيما من غير أب ولا أم ، وبكى عندها رحمة وحنانا إليها ، وكان يتمنى لو شاركته في حياته السعيدة ، حياة النبوة والرسالة ، ولترى ما أكرمه اللّه تعالى من العز والسؤدد والنصر والكرامة - هذا ما نراه ونعتقده - واللّه سبحانه وتعالى أعلم وهو بعباده أرحم ، وجميع من في السماوات والأرض عبيده وملكه يفعل فيهم ما يشاء ويحكم ما يريد - اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك " محمد " وأقر عينيه بنجاة أبويه حتى يرضى رضاء تاما ، وأدخلهما الجنة معه بسلام آمنين ، مع خادمهم محمد طاهر الكردي مؤلف هذا الكتاب آمين ، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين .