محمد طاهر الكردي

123

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري فلم أجد غيره ، قلت لزوجي : واللّه إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع ، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه ، فذهبت فإذا به مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن يفوح منه رائحة المسك ، وتحته حريرة خضراء وهو راقد على قفاه يغط ، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله ، فدنوت منه رويدا فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكا ، وفتح عينيه ينظر إليّ فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر إليه ، فقبلته بين عينيه وأعطيته ثديي الأيمن فأقبل عليه بما شاء من اللبن ، فحولته إلى الأيسر فأبى وكانت بعد عادته ، ثم أخذته فما هو إلا أن جئت به رحلي فقام صاحبي ، تعني زوجها ، إلى شارفنا تلك فإذا أنها لحافل ، فحلب منها ما شرب وشربت حتى روينا وبتنا بخير ليلة ، فقال صاحبي ، يا حليمة واللّه إني لأراك أخذت نسمة مباركة ، ألم تري ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه فلم يزل اللّه يزيدنا خيرا . وفيه أيضا قالت حليمة : فودعت النساء بعضهن بعضا وودعت أنا أم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم ركبت أتاني وأخذت محمدا صلى اللّه عليه وسلم بين يدي ، قالت : فنظرت إلى الأتان وقد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معي ، وصار الناس يتعجبون مني وتقول النساء لي وهن ورائي : يا بنت أبي ذؤيب أهذه أتانك التي كنت عليها وأنت جائية معنا تخفضك طورا وترفعك أخرى ، فأقول : تاللّه إنها هي ، فيتعجبن منها ويقلن : إن لها لشأنا عظيما . وفيه أيضا قالت حليمة : ثم قدمنا منازل بني سعد ولا أعلم أرضا من أرض اللّه أجدب منها ، فكانت غنيمتي تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا ، فنحلب ونشرب ما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع ، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعاتهم : ويلكم ما بال أغنام حليمة تحمل وتحلب وأغنامنا لا تحمل ولا تضع ولا تأتي بخير ، اسرحوا حيث يسرح راعي غنم بنت أبي ذؤيب ، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح أغنامي شباعا لبنا ، حتى إننا نتفضل على قومنا وكانوا يعيشون على أكنافنا . وفيه أيضا : وفي المواهب اللدنية أخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس قال : كانت حليمة تحدث أنها أول ما فطمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تكلم فقال : اللّه