محمد طاهر الكردي
106
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وانظر ما جبل عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق ، فقد جاء في الجزء الأول من تاريخ الخميس ما نصه : " ولما وصل عكرمة بن أبي جهل قريبا من مكة ليسلم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا فلا تسبوا أباه ، فإن سبّ الميت يؤذي الحي ولا يلحق الميت " . انتهى . إذا علمت ما تقدم فهل يطيب قلب المؤمن الصادق المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يقول إن أبوي النبي عليه الصلاة والسلام ماتا كافرين - كلا والله . وإذا كان رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أين أبي فقال : إن أبي وأباك في النار ، كما في صحيح مسلم تواضعا منه صلى الله عليه وسلم ، وجبرا لخاطر هذا الرجل السائل ، فهل يليق بنا من باب الأدب على الأقل أن نقول نحن ذلك - كلا والله . وإذا كان صلى الله عليه وسلم ، قال عن نفسه للرجل الذي دخل عليه فأخذته رعدة من هيبته : هوّن عليك فإني لست بملك ولا جبار ، وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة . فنطق الرجل بحاجته - فهل يليق بنا أن نقول نحن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ابن آكلة القديد - كلا والله . وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال في عمه أبي طالب الذي هو شقيق أبيه عبد الله : " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة ، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه ، يغلي منه دماغه " كما ورد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه . وجاء فيهما أيضا عن العباس رضي الله عنه ، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أغنيت عن عمك أبي طالب ، فإنه كان يحوطك ويغضب لك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار » . والضحضاح بفتح الضاضين المعجمتين ، قال ابن الأثير : هو ما رق من الماء على وجه الأرض قدر ما يبلغ الكعبين فاستعير للنار - ا ه . فهل نقول بموجب هذين الحديثين : إن أبا طالب أحسن حالا من أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ، من حيث إن النار تبلغ إلى كعبيه بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له يوم القيامة مع أنه مات كافرا ، فقد دعاه صلى الله عليه وسلم في مرض موته إلى الإسلام فأبي . أما والد النبي صلى الله عليه وسلم فقد مات أبوه وهو في بطن أمه ، وماتت أمه وهو في السادسة من عمره ، فكيف نحكم بكفرهما إذا ، والله تعالى أكرم من أن يجعل والدي رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم في