محمد طاهر الكردي
7
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وحضر الشيخ طاهر إليّ بعد الغروب وتمّ الاتفاق بينه وبيني على كتابة المصحف الشريف ، وكان الاختلاف الوحيد بيننا هو أنه حدّد المدة اللازمة لإتمام كتابة المصحف في حدود عامين ، وكنت أنا متعجلا أرغب إتمام هذا العمل خلال عام واحد ، ولما رأى الشيخ طاهر - رحمه اللّه - إلحاحي قال لي إن هذا عمل بالغ الدقة ، وإنني لا أستطيع الإقدام عليه إلا وأنا في حالة نفسية متهيئة له التهيأ الكامل ثم أردف قد أبدأ بالكتابة وأستمر فيها أياما أو أسابيع ولكن قد يطرأ ما يمنعني عن الإمساك بالقلم أياما وأسابيع أخرى ، فدعني أتصرف بما يمليه عليّ مزاجي ولا تنس أن الخط عمل فني ، مثل الرسم ، والشعر والكتابة ، والفنان لا يقدم على ممارسة فنه إلا إذا تهيأت له الأسباب النفسية أولا ، وكنت أعرف أن ما يقوله الأستاذ طاهر صحيح كل الصحة فوافقت عليه . هذا وقد طلب الشيخ طاهر ورقا معينا وأقلاما وأحبارا معينة ، وكان الزمان زمن حرب ولكن اللّه تعالى يسر الأمر فوجدنا كل ما طلبه في مكة المكرمة . وبدأ العمل واتفقنا أن يكون المصحف موافقا للرسم العثماني ، ومضت الشهور وكنت كلما رأيت الشيخ طاهر سألته ماذا فعل ؟ فيجيب أنه مستمر في عمله ، وكان قد أحضر لي بعض الصفحات من أوائل ما كتب وأطلعني عليها ، ثم عاد بعد أسابيع وأطعلني على نفس هذه الصفحات وقد كتبت مرة أخرى بخط أحسن وقال : إن هذا هو الفارق بالنسبة لمزاج الخطاط حينما يكتب . ولا أريد الإطالة على القارئ فقد انتهى الشيخ طاهر من كتابة القرآن الكريم بعد ما يقرب من ثلاثة أعوام ، وقبل الانتهاء كنا قد تقدمنا إلى الحكومة نطلب تأليف لجنة لتصحيح المصحف الذي قام بكتابته الشيخ طاهر - رحمه اللّه - فألفت الحكومة لجنة كبيرة مكونة من الشيخ عبد الظاهر أبو السمح إمام المسجد الحرام في ذلك الوقت والشيخ صالح حجازي شيخ القراء بمكة المكرمة ، والمرحومين السيد محمد شطا والسيد إبراهيم النوري من وزارة المعارف ، وقد باشرت اللجنة عملها ، وللتاريخ فإن الشخص الوحيد من بين أعضاء هذه اللجنة الذي تفرّغ للمراجعة والتصحيح وأعطى هذا العمل جهده وكامل اهتمامه هو المرحوم السيد إبراهيم النوري من وزراة المعارف ، وحينما عرضنا عليه مكافأة مقابل هذا الجهد اعتذر عن قبولها فاعتبرناه مساهما في الشركة التي تألفت لهذا الغرض بنسبة معينة وقد ألفنا شركة خاصة لطبع القرآن ونشره في مكة المكرمة أسميناها شركة مصحف