علي أكبر السيفي المازندراني

39

دروس في القواعد التفسيرية ( الحلقة الثانية ، القسم الأول )

وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يعجل في قراءة الآيات ، ويشرع فيها بتحريك شفتيه قبل فراغ جبرئيل عليه السلام عن إنزالها ، فنزلت هذه الآية ، كما جاءَ في تفسير علي بن إبراهيم ومجمع البيان وغيرهما ، وهذا إنّما يلائم بطؤ نزول الوحي القرآني ؛ بحيث لم يصبر النبي صلى الله عليه وآله على فراغ الجبرئيل عليه السلام منه . وقد يشكل على ذلك بأنّ الاستعجال بالتكلُّم في أثناءِ كلام الغير ، لا ينافي سرعة كلام ذلك الغير ، غاية الأمر يكون تكلّم الشخص المستعجل أسرع من كلام ذلك الغير ، فلا ينافي ذلك كون كلام ذلك الغير المسبوق سريعاً أيضاً . ويمكن الجواب : أنّ الاستعجال في مقابل البطؤ وظاهر المقابلة في الآيتين المزبورتين يقتضي كون نزول الوحي في حدٍّ من البطؤ بحيث يقبل استباق النبي صلى الله عليه وآله عنه واستعجاله في القراءة قبل تمامه ، كما لو أبطا شخصٌ من أهل العرف في كلامه ، فيسبق إليه مخاطبه في الجواب قبل تمام كلامه معتذراً باطنابه وإطالته . وعلى أيّ حال السرعة والبطؤ أمران إضافيان نسبيان . فما من سريع ، إلّاو يوجد ما هو أسرع منه وما من بطيءٍ ، إلّاو يوجد ما هو أبطأ منه . ولكن المعيار فيهما الصدق العرفي . والمقصود أنّ الوحي القرآني لم يؤخذ السرعة فيه ، بل يشهد بعض الآيات على أنّ نزوله كان على بطوءٍ . نعم لا يبعد دعوى أخذ السرعة في الوحي الالهامي ؛ نظراً إلى كونه من قبيل الخطورات القلبية وإلقاءِ المعنى في الرّوع ، لا بالقراءة والتلفُّظ ، كما في الوحي القرآني . ومحصّل الكلام أنّ الوحي لم تؤخَذ في حقيقته السرعة ولا البطوء ، بل يختلف في ذلك بحسب اختلاف أقسامه وأنواعه .