تقرير بحث المحقق الداماد للآملي
35
كتاب الحج
والحاصل ان اللَّه تعالى لا يسنح له حال دون حال ولا يحجبه شيء عن شيء ولا يحجب عنه شيء فلا الصغر يمنعه عن الإحاطة العلمية به ولا البعد يحجبه عن الشهود ولا الحجاب يمنعه عن الحضور ولا الظلمة تصده وتحجبه عن الظهور بل هو تعالى عالم بالصغير كالكبير وشاهد للبعيد كالقريب وحاضر في المحجوب كالمشهور وظاهر في الظلمة كالنور حيث يقول عز من قائل . * ( يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) * ( سورة لقمان آية 16 ) . يعنى ان صغر الخردلة وحجاب الصخرة وبعد السماوات وظلمة الأرض لا يمنع اللطيف الخبير عن الشهود التام لأنه لطيف وكل لطيف خبير ولأنه خبير وكل خبير لطيف لان كل لطيف ومجرد فهو عالم وكل عالم فهو لطيف ومجرد حسبما بينه الحكمة الإلهية في موطنها . والسر في ذلك كله انه تعالى هو الأول قبل كل شيء فلا يسبقه شيء أصلا حتى يكون السبق موجبا لغيبة السابق عن المسبوق وهو الأخر بعد كل شيء فلا يلحقه شيء أصلا حتى يكون اللحوق مانعا عن شهود اللاحق وهو الظاهر فلا ظهور لغيره الا به فلا يظهر عليه شيء أبدا حتى يكون ظهوره الفائق قاهرا على ظهوره تعالى فيكون حجابا نوريا له تعالى عن الحضور وهو الباطن فلا بطون لغيره بحيث يكون خافيا له تعالى حتى لا يكتنهه بل هو مع كل شيء وداخل في الأشياء لا بالممازجة وخارج عنها لا بالمزايلة وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ولذا يعلم عجيج الوحوش في الفلوات واختلاف النينان في البحار الغامرات ومعاصي العباد في الخلوات . فتبين بذلك انه يمتنع فرض الجهل أو السهو في حقه تعالى بحيث لم يكن عالما في هداية الإنسان وتبيين أحكامه في أمر ما ثم صار عالما به حتى يكون هو الموجب لتغير الدين الإلهي وهكذا في السهو والتذكر فحينئذ لا مجال لتوهم التغير في الدين الوحيد اى الإسلام من ناحية القابل أو الفاعل أصلا ويشهد له قوله تعالى * ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِه نُوحاً والَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وما وَصَّيْنا بِه إِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيه كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْه ) * ( الشورى 13 ) .