الشيخ محمد الصادقي الطهراني

258

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

« هذا » السؤال دون إعذار « فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ » كما اتفقنا « سأنبئك » كما وعدتك : « حَتَّى أُحْدِثَ . . » بتأويل مأخذ ومرجع « ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً » ! فراق حنون بعد وفاق حنون وكلّ خطى خطواته كما علّم ، وقد حصل ما قصد كأن يعلم موسى أن في أمته من هو أعلم منه في علم الباطن ، مهما كان هو أعلم منه في علم الظاهر ، ف « فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ » اللّهم إلّا علّام الغيوب ، فلا يزعمنّ أحد أنه أعلم الخلق أجمعين وإن كان كموسى الرسول ، فضلا عمن سواه ، حيث العطيات موزّعات بعلم العليم الحكيم حسب القابليات ! أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 ) . أراد اللّه أن تبقى السفينة لمساكينها ، ولو شاء لحقق ما يشاء بصرف إمّا ذا من خارقة . ولكنه شاءه بفعل من غيره غير خارق : « فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها » أردته تحقيقا لمشيئة تشريعية ، وأخرى تأييدة تكوينية إلهية كما في كافة الواجبات . لم يقل أردنا حيث لم يشاركه موسى ، ولا أراد اللّه حيث لم يرد اللّه الإعابة بفعله خارقة ، وإنما أراد تعالى إصلاحها بما أعابها الخضر ، فالإعابة فعله بسماح شرعي ، والإصلاح فعل اللّه بسماح تكويني . « وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ » : ملك وراء المساكين يلاحقهم أيا كانوا « يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً » فليست الوراء هنا وراء الخلف ، « 1 » وانما وراء التخلّف والملاحقة من أية جهة

--> ( 1 ) . الدر المنثور 4 : 237 - / اخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه‌وابن مردويه عن ابن عباس ان النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) كان يقرأ « وكان امامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا » . أقول : اما « صالحة » فهي تفسير بيان للسفينة ، واما « امامهم » فقد يعني « بين أيديهم » دون ان يكون « امامهم » بدل « وراءهم » و « صالحة » محذوفة عن القرآن ، حيث تطارده أحاديث العرض ولا نصدق الا كتب القرآن المتواتر والمجمع عليه طوال القرون الاسلامية ! ويشهد لذلك ما رواه العياشي عن حريز عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) انه كان يقرء « وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ » يعني امامهم « يأخذ كل سفينة صالحة غصبا »