الشيخ محمد الصادقي الطهراني

165

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الحوار ، فرارا عما أمروا به إلى سواه ، بسيّئ الأدب مع اللّه ورسوله في أصل الأمر وفصله ، ولكنهم في نهاية الأمر « فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ » بعد ما تحمّلوا مواصفات زائدة في « بقرة » ما كانت عليهم لو ائتمروا من فورهم دون تعنّت وتساءل ! الأمر الأول لم يحمل إلّا « بقرة » طليقة عن كل صفة إلّا كونها « بقرة » ثمينة أو رخيصة ، فارضا أم بكرا أم عوانا ، صفراء أم سوداء أم بيضاء أم عوانا ، فقد كانت تكفيهم في البداية - / حسب طليق الأمر - / أيّة بقرة . وكما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله قوله : « . . . ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدّد اللّه عليهم » « 1 » . يقول لهم موسى الرسول : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً » فيردون عليه « أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً » ويكأن اللّه يهزء بعباده عن جهالة ، أو أن رسول اللّه يفتري على اللّه ما فيه جهالة ! . « قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً » في ذلك الأمر الإمر ، البعيد عن تحقيق سؤلنا ، « قالَ أَعُوذُ

--> ( 1 ) . الدر المنثور 1 : 77 - / أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) : لولا ان بني إسرائيل قالوا : وانا ان شاء اللّه لمهتدون - / ما أعطوا أبدا لو أنهم . . . أقول : قد رويت عنه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) بألفاظ مختلفة ، المتفق عليه فيها إطلاق الأمر واجزاء أية بقرة ، ولكنهم لما شردوا شرد اللّه عليهم ، مما يلائم ظاهر الأمر الطليق في الآية ، وهنا عشرة كاملة من الأحاديث تحمل تدرج الأمر في قيود المأمور به وقد رواها أبو هريرة وعكرمة وابن جريح وقتادة وابن عباس عن النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) والبزنطي ومقاتل بن مقاتل ومحمد بن عبيدة عن الرضا عليه السلام وعلي بن يقطين عن موسى بن جعفر عليهما السلام وابن طاووس عن الباقر عليه السلام وهي كلها موافقة لظاهر القرآن في ذلك فلا يصغى إلى قيلة القائل ان المأمور به كان مقيدا من اوّل الأمر ، لا سيما وان قوله فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ امر حال بإتيانه ولمّا تذكر سائر المواصفات التالية ، ولو كان كما قيل لكان امرا بالمحال ان يأتوا بما لم يتبين بعد قيوده !