الشيخ محمد الصادقي الطهراني
13
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
إلى السماء من أعماله ولمّا ينزل إلى الأرض من بركاته ، فكأنهما إذا تبكيان ، وبنفس الحجة هما على الكافر يضحكان ، حيث تنقطع أعماله التي كانت تسوّد كتاب الأرض والسماء ، وتزعج كتّابهما الذين يستنسخونها ! ومن ثم فأهل السماء والأرض - / المطلعون على وفاة المؤمن - / هم عليه باكون وعلى الكافر ضاحكون ! ثم ومن البكاء الإستنصار ، الذي هو كائن من أهل اللَّه للمؤمن وبائن عن الكافر ! ثم المؤمن ولا سيما العالم إذا مات ثلم ثلمة دون الكافر ، وقد يمثلون خلو الدار عن سكانها وقطّانها ، بأنها باكية عليهم ومتوجعة لهم لانقطاع أسباب النعمة والأنسة عنها ، ولكنما الكافر حياته عذاب على الناس ، فلا تبكي عليه السماء والأرض ، إذ لا أثر له صالحا حتى ينقص بفقدانه ، ولو كانتا من الجنس الذي يصح منه البكاء لم تبكيا عليهم ولم تتوجعا لهم إذ كان اللَّه عليهم ساخطا ، ولهم ماقتا ، وحياتهم عذاب على أهل السماوات والأرض . كل هذه البكاء ثابتة للمؤمن ، منفية على الكافر « وَما كانُوا مُنْظَرِينَ » حيث أغرقهم اللَّه دون إنظار وما كانوا منتصرين . المستضعفون وهم دوما الأكثرية الساحقة ، ومن معهم من رسل اللَّه وملائكة اللَّه وساير المؤمنين ، هم كلهم يفرحون ويرتاحون لموت الكافر ويبكون لموت المؤمن . فهناك بكاء للسماء والأرض على المؤمن ، كلما ازداد إيمانه ازدادت حيث تحمرّ كما احمرّت ليحيى بن زكريا وللحسين « 1 » عليهما السلام وبكاء لأهل السماوات والأرض ،
--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 30 واخرج ابن أبي حاتم عن عبيد المكتب عن إبراهيم ( رضي اللَّه عنه ) قال : مابكت السماء منذ كانت الدنيا إلّا على اثنين ، قيل لعبيد . أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن ؟ قال : ذاك مقامه وحيث يصعد عمله ، قال : وتدري ما بكاء السماء ؟ قال : لا - / قال : تحمر وتصير وردة كالدهان ، ان يحيى بن زكريا لما قتل احمرت السماء وقطرت دما وان الحسين بن علي عليه السلام يوم قتل احمرت السماء ، اخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن زياد قال : لما قتل الحسين احمرت آفاق السماء أربعة أشهر . أقول : ومن طريق أصحابنا روي بكاء السماء على يحيى وعلى الحسين عليهما السلام القمي في تفسيره قال حدثني أبي عن حنان بن سدير عن عبد اللَّه بن الفضل الهمداني عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه قال : مر عليه رجل عدو للَّه ولرسوله فقال : « فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ، وَما كانُوا مُنْظَرِينَ » ثم مرّ عليه الحسين بن علي عليه السلام فقال : لكن هذا لتبكين عليه السماء والأرض ، وما بكت السماء والأرض إلا على يحيى بن زكريا وعلى الحسين بن علي عليهما السلام ، وفي كتاب المناقب لأبن شهرآشوب عن الباقر عليه السلام ان عليا عليه السلام خرج قبل الفجر متوكئا على عنزه والحسين عليه السلام خلفه يتلوه حتى أتى خلفه رسول اللَّه ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) ثم قال : ان اللَّه تعالى ذكر أقواما فقال ، « فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ » واللَّه ليقتلنه ولتبكين السماء عليه . وفيه عن الصادق عليه السلام بكت السماء على الحسين أربعين يوما بالدم وفيه عن إسحاق الأحمر عن الحجة عليه السلام حديث طويل في أواخره : وذبح يحيى عليه السلام كما ذبح الحسين ولم تبك السماء والأرض إلّا عليهما ( نور الثقلين 4 : 627 - / 628 ) . وفي تفسير البرهان 4 : 161 ج 4 عن القمي عن أمير المؤمنين عليه السلام في الرحبة وهو يتلو هذه الآية إذ خرج عليه الحسين بن علي عليه السلام من بعض أبواب المسجد فقال : اما هذا سيقتل وتبكي عليه السماءالأرض . وفيه خرج أمير المؤمنين عليه السلام فجلس في المسجد واجتمع أصحابه حوله فجاء الحسين عليه السلام حتى قام بين يديه فوضع يده على رأسه فقال : يا بنيّ إن اللَّه عيّر أقواما بالقرآن فقال « فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ » وأيم اللَّه لتقتلن من بعدي ثم تبكيك السماء والأرض