الشيخ محمد الصادقي الطهراني

573

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

يدل على أنه بعد راج في حياة يوسف و « الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » يأتي على لسانه أوّل ما اوّل رؤياه : « وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ . . . إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » وفيما هنا ثاني مرة ، ثم يوسف هو الذي يثلّثهما عند اللقاء : « وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ . . . إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » ( 100 ) وذلك مما يوحي بتأكد الرجاء وأن المرجو قضية علمه تعالى وحكمته . أتراه يرجوه بما أوحي إليه ؟ علّه نعم ، وعلّه لا ، حيث الرجاء باللّه والأمل الوطيد في اللّه شعور يتجلّى دوما في قلوب الصفوة المختارة ، لا سيما وهو الذي أوّل رؤياه : « وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ » ولكنه أمل راجح دون يقين ، فعلّه يجتبيه دون علمه بمكانه ، وعلّه ميت الآن بعد تحقق رؤياه ، ولكن العلّات على علّاتها ليست لتزلزل من صرح رجاءه ، وقد يأتي نبأعلمه بحياته بعد حين في آيته : « يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ . . » . وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) . هنا يختص يوسف بذكراه إذ لا يتأكد بعد من حياته أو أن يأتيه ، ولكن أخاه وكبيرهم بعد موجودون بمكان معلوم ، ثم ويوسف هو القمة العالية الغالية في حبّه ، وما فاصل الزمان البعيد بالذي ينسيه ، لا سيما والحادث الجلل الجديد يذكر جلل القديم . « وَتَوَلَّى عَنْهُمْ » اعتراضا عليهم وإعراضا عنهم ، منقطعا إلى اللّه « وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ » إذ ما هوّنت من مصابه طائل السنون ، والنكبة الجديدة في أخيه ثم كبيرهم تجدده أكثر مما كان طيلة السنين ، وذلك غاية الأسف والأسى على أعز الأبناء وأغرهم الذي تتلوه غائلة فوق غائلة ، فهنا « وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ » حيث أذهب الحزن بسواده فانظّم في سائر بياضه ، ولكنه على حزنه الذي بلغ به إلى العمى لم يكن ليشكوا حزنه إلى أحد إلّا للّه