الشيخ محمد الصادقي الطهراني
492
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
يخصر السياق أمره معهما دون أن يحصره ولأن أمرهما هو الأساس في تبرزه في تأويل رؤياهما ، وهما اللذان رأياه من المحسنين تفرسا فارسا مارسا من عشرته قلّت أم كثرت ، فأهل الفراسة يتفرسون الإحسان وسواه في صفحات الوجه وفلتات اللسان ووجنات الأركان . وعلّ « قال » دون عطف تلمح إلى وصل القول بالدخول دون فصل ، أم فصلا بليل أو قدر من النوم يصلح لرؤياهما ، ولأن فصله كان قريبا وفي نفس الوقت غريبا ل « إِنَّا نَراكَ مِنَ الُمحْسِنِينَ » إحسانا جعله موضع ثقة المساجين ، متوسمين فيه من طيبة ، وصلاحا وإصلاحا . ولماذا « أراني » هنا دون « رأيت » كما في رؤيا يوسف ؟ كأن فاعله المنام ، فهو الذي أراني دون اليقظة ، أراني ما كنت فاعله للملك وشاغله وأنا الآن في سجنه « أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً » إراءة لهذه الحالة . و « أَعْصِرُ خَمْراً » والخمر لا تعصر وإنما يعصر لها العنب ، هذا تعبير رائج هائج عن عصر عصير كثير وكما : خبزت خبزا وطبخت آجرا ، اعتبارا بالآمل ، عطفا له على الحال ، وكأن الآمل حال قضية تأكد الاشتغال . الفتيان يذكران رؤياهما ، راغبين تأويلهما حقا « إِنَّا نَراكَ مِنَ الُمحْسِنِينَ » والمحسن يرى بشفافية روحه ما لا يراه المسئ ، ويحسن إلى سجين مثله ما لا يرجى من المسيئين . وهل يبتدر يوسف بالتأويل ، عجالة في إحسانه دنيويا قبل إحسانه إليهما روحيا وأخرويا ؟ كلّا ، فعلى رجالات الحق انتهاز الفرص للدعوة إلى الحق ، وكونه سجينا لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة ، وإصلاح الأوضاع الكاسدة ، التي تقوم على حق الربوبية لآلهة الأرض ، وإبطالها لإله السماوات والأرض ! فهل يبدأ يوسف بدعوته تعاميا عما