الشيخ محمد الصادقي الطهراني

324

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

« حتى عفوا » ونموا في متطلبات حياة الحيونة المريحة ، فظنوا أنهم في رحمة من اللّه مهما عتوا ، ويكأن العتو مرضي للّه حتى « قالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ » : ضر وسرور ، فهما يمسنا إذ هما فوضى جزاف لا يعنيان كرامة أو مهانة ، فلا علينا أن نستمر في الكفر والكفران ، ولأننا قد نكون مكرهين بالحسنة مكان السيئة « فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً » أخذة مزمجرة مدمرة « وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ » موقفهم ، و « لا يشعرون » خطأهم و « لا يشعرون » استحقاقهم و « لا يشعرون » نزول العذاب عليهم إلّا حين نزل إذ كان مباغتا ، وعلى الجملة « لا يشعرون » إلّا فوضى ، فلا يعني بلاء السيئة ولا جزاء في حسنته وسيئته ، بأساء وضراء ، والحسنة سراء عبثا أن يأخذ اللّه عبادا له بشدة في أنفسهم وأرزاقهم وأموالهم ، ولا لإرواء غلة ولا شفاء اجنة أم يأخذهم بسراء مرحية مرخية تعطفا عليهم بل هما بلاءان مختلفي الصورة ، وإنما لإيقاظ فطرة نائمة وترقيق قلوب طال عليها الأمد ما كانت فيها بقية : « فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ . كَلَّا . . » ( 89 : 16 ) . كما ولا تعني الحسنة مكان السيئة واليسر مكان العسر والنعمة مكان الشظف ، وعلى الجملة العفو الزيادة مكان النقيصة ، إنها لا تعني إلّا جزاء وفاقا إن لم يضّرّعوا بالبأساء والضراء ، فبلية الحسنة أصعب من بلية السيئة ، ولذلك ترى أكثر الساقطين في البليات هم من المنعمين حيث يكثرون وينتشرون ، مسهلين العيش ، متيسرين الحياة ، معذّرين تخلفاتهم أمام اللّه ، فقد تعني « حتى عفوا » إلى جانب غورهم في زخرفات الحياة ، اعتبارهم أنفسهم معفوين عن المسؤوليات ، إباحيين في اللذات والشهوات ، عائشين - / إذا - / اللّامبالاة الطليقة ، فكل ما يصدر منهم عفو بلا أيتحرج أو مبالات ، فقد عفوا في أنفسهم وأموالهم