الشيخ محمد الصادقي الطهراني

224

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

في الدنيا ؟ : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ 131 . وعلّه إسلامه بفعله لما أمر به قبل إسلامه المطلوب من ربه حين دعا « وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ . . . » . فهناك إسلام قضية كمال الإيمان ، وهنا إسلام قضية الأمر الخاص ، وعلّه لأمر خاص كما « أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ » ثم إسلام بعدهما تطلّباه إذ يرفعان القواعد من البيت ، وقد يجمع مراتب الإسلام حديث قدسي يذكر عيشا أهنى وحياة أبقى « 1 » .

--> ( 1 ) . في البحار عن ارشاد الديلمي قال اللّه سبحانه يا أحمد هل تدري اي عيش اهنى وأيحيوة أبقى ؟ قال : اللهم لا - / قال : اما العيش الهنيء فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكرى ولا ينسى نعمتي ولا يجهل حقي ، يطلب رضائي في ليله ونهاره ، وأما الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتى تهون عليه الدنيا وتصغر في عينه وتعظم الآخرة عنده ، ويؤثر هواي على هواه ويبتغي مرضاتي ، ويعظم حق نعمتي ، ويذكر عملي به ، ويراقبني بالليل والنهار عند كل سيئة أو معصية ، وينقي قلبه عن كل ما أكره ، ويبغض الشيطان ووساوسه ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطانا وسبيلا ، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبا حتى أجعل قلبه وفراغه واشتغاله وهمه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبتي من خلقي وافتح عين قلبه وسمعه حتى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي ، وأضيق عليه الدنيا ، وأبغض اليه ما فيها من اللذات وأحذّره من الدنيا وما فيها كما يحذّر الراعي على غنمه مراتع الهلكة ، فإذا كان هكذا يفر من النار فرارا وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن ، يا أحمد ولأزينّنه بالهيبة والعظمة فهذا هو العيش الهنيء والحياة الباقية ، وهذا مقام الراضين فمن عمل برضاي ألزمه ثلاث خصال : أعرّفه شكرا لا يخالطه الجهل ، وذكرا لا يخالطه النسيان ، ومحبة لا يؤثر على محبتي محبة المخلوقين ، فإذا أحبني أحببته وافتح عين قلبه إلى جلالي ، ولا أخفي عليه خاصة خلقي ، وأناجيه في ظلم الليل ونور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم ، وأسمعه كلامي وكلام ملائكتي ، وأعرّفه السر الذي سترته عن خلقي ، وألبسه الحياء حتى يستحيي منه الخلق كلهم ، ويمشي على الأرض مغفورا له . واجعل قلبه واعيا وبصيرا ، ولا أخفي عليه شيئا من جنة ولا نار ، وأعرّفه ما يمر على الناس في القيامة من الهول والشدة وما أحاسب به الأغنياء والفقراء والجهال والعلماء ، وأنومّه في قبره ، وأنزل عليه منكرا ونكيرا حتى يسألاه ، ولا يرى غم الموت وظلمة القبر واللّحد وهول المطّلع ، ثم انصب له ميزانه وأنشر ديوانه ، ثم أضع كتابه في يمينه فيقرأه منشورا ، ثم لا أجعل بيني وبينه ترجمانا ، فهذه صفات المحبين ، يا أحمد اجعل همك هما واحدا ، واجعل لسانك لسانا واحدا ، واجعل بدنك حيا لا يغفل أبدا ، من يغفل عني لم أبال في أيواد هلك