الشيخ محمد الصادقي الطهراني

86

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

فيا للهول من ذلك الاستجواب الرهيب العجيب الذي يذهل الرسل ما كانوا يعلمون بما عُلّموا ، فإنه يوم الحشر العظيم والحشر العميم من الملإ الأعلى والأدنى والمتوسطين من الملائكة والجنة والناس أجمعين ، الاستجواب الذي يراد به المواجهة ، مواجهة المرسل إليهم أجمعين برسلهم أجمعين ، مواجهة المصدقين منهم والمكذبين ليعلن في موقف الإعلان أن هؤلاء الرسل الكرام إنما جاءوا من عند اللَّه العزيز الحكيم ، وها هم أولاء مسؤولون بين يدي رب العالمين في ذلك اليوم العظيم . فالرسل - إذا - يعلنون أن العلم الحق وحق العلم هو للَّه وحده لا شريك له ، وان ما لديهم من علم لا ينبغي أن يدلّوا به بحضرة صاحب العلم المحيط ، بل وهم عما عندهم ذاهلون ، تحويلا للشهادة بأسرها إلى رب العالمين ، وحين يأتي موقفها فهو الآمر لإقامة الشهادة « يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ » حين « يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » وهكذا يكون أدب المتعلم أمام المعلم أن يكل العلم إليه مهما علم ما علّمه . فكما أنه هو الذي يفتح مغاليق الشهادة الأرضية بأجواءها ، وشهادة الأبدان بأعضائها ، كذلك هو الذي يفتح مغاليق ألسنة سائر الشاهدين من المرسلين والكرام الكاتبين فيغرق المكلفون في خضمّ الشهادات أمام رب العالمين . ذلك ، ولأن المسيح بن مريم عليهم السلام هو الذي فتن قومه فيه ، وهو الذي غام الجو حوله بمختلف الشبهات ومختلقها فخاض أناس في أوهام وأساطير حول كونه وكيانه ، لذلك هنا يختصه الخطاب كنموذج من ذلك الاستجواب على ملأ الحشر ممن ألّهوه وعبدوه من دون اللَّه ، ومن ألهوه وألغوه من درجات الصالحين ، ومن هم عوان حيث آمنوا به رسولا ، وأمام سائر المرسلين والمكلفين .