الشيخ محمد الصادقي الطهراني

77

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وعل الوراء الأول هو البرزخ والثاني هو القيامة ، وقد يلمح له « عَذابٌ غَلِيظٌ » حيث البرزخ أمامه غير غليظ ، وهو وراء جهنم . و « ماءٍ صَدِيدٍ » هو القيح السائل من الجرح « 1 » وهذه مرة يتيمة يعبر فيها عن ماء الجحيم بصديد ، وعلّه صدّ الحياة كحياة وإن كان ليس بميت . « يتجرعه » جرعة جرعة ، حيث لا يتجرأ على ابتلاعه دفعة ، ولا يستغني عنه حتى لا يتجرع ، ضرورة العطش الهالك الحالك ، « وَلايَكادُ يُسِيغُهُ » ويروّيه ، بل ويزداده عطشا على عطش ، فقد يشرب الشارب ماءً ولا يسيغه لمرض العطاش ، فقد يسيغه لولا العطاش ، ولكنه ماء « لايَكادُ يُسِيغُهُ » لأنه لا يروي ، بل ويزيده عطشا ! ثم « وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ » في الجحيم « يَأْتِيهِ . . . وَما هُوَ بِمَيِّتٍ » فهو ذائق طعم الموت بكل بواعثه وكوارثه من كل مكان خارج وجوده ، ومن كل مكان من جسمه ، وحتى من مكان حياته وهو فمه الآكل الشارب ، فإنهما مميتان كسائر بواعثه ، وعلّه من أتعسه حيث يختص بالذكر بينها ، فأصبح باعث الحياة باعث الموت وكارثه ! ولكنه لا يموت ، فهو - إذا - أموت من الموت ببأسه ، وأحيى من الحياة ببؤسها ، جمعا بين كوارث الموت والحياة ، حياة خالدة مارجة بموت خالد ، لا حظوة في تلك ولا خلاص عن ذلك « وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ » . اجل ! وان غواشي الكروب ، وحوازب الأمور تطرقه من كل مطرق ، وتطلع عليه من

--> ( 1 ) . الدر المنثور 4 : 73 - / أخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن أبي الدنيا في صفة النار وأبو يعلى وابن‌جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي أمامة عن النبي ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) في الآية قال : يقرب اليه فيتكرهه فإذا دنا منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعائه حتى يخرج من دبره يقول اللَّه تعالى : وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم وقال : وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه . وفي نور الثقلين 2 : 532 عن تفسير العياشي عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ( عليه السلام ) قال قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ان أهل النار لما غلى الزقوم والضريع في بطونهم كغلي الحميم سألوا الشراب فأتوا بشراب غساق وصديد « يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ » وحميم يغلي به جهنم منذ خلقت ، « كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً »