الشيخ محمد الصادقي الطهراني

68

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

فما أنتم الّا صادين عن سبيلنا « تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا » فهل نترك ما تعودناه وعهدناه من آباءنا القدامى بدعوى خاوية خالية عن سلطان ، فما تزيدوننا غير تخسير حين تتفضلون علينا بادعاء جوفاء « ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ » ( 23 : 24 ) . ولو أنكم مفضّلون علينا بوحي ، أم أنتم على حق مما تصدون « فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ » أنكم بحق وعلى وحي ، وكيف نترك ما يعبد آباءنا دون سلطان مبين ، ونحن في ذلك على سلطان الآباء . وترى أن السلطان المتقاضى هو آية الرسالة البنية ؟ و « لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ . . . » ( 57 : 26 ) فما من رسول إلا أرسل بآية لرسالته بينة منذ دعوته فكيف يتطلبون سلطان الآية على رسالاتهم ؟ ! . انهم كانوا يتطلبون منهم آيات كما يشتهون غضّا عما أتوا به من آيات فيها الحجة البينة ، آيات هي سلطان على عقولهم كما يهوون ، أم هي سلطان على نفوسهم لو أنهم رسل اللَّه « اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ . . » ( 8 : 32 ) . فالسلطان - أيا كان - هو السلطة عقلية أو نفسية على طالبه ، غلبا على عقله حتى يصدّق ، أم غلبا على حياته إذ ليس ليصدّق ، وهو على أية حال آية غالبة ، ولا سيما المبين حيث يبين الحق عن الباطل ، ولذلك تمتاز عن سائر الآيات كما ويفرد بعدها بالذكر : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى ب‌ِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ » ( 11 : 96 ) وهنا الجواب حازما حاسما بين تصديق لصادق الحجة وتكذيب لكاذب الدعوى : قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) . ف « إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » تصديق للماثلة ، ثم « ولكن . . » إخراج عنها ، فإنما المماثلة في البشرية الظاهرة بمتطلباتها ومشاركاتها ، ثم الخروج عن قضيتها المتعودة بما « يَمُنُّ عَلى مَنْ