الشيخ محمد الصادقي الطهراني

414

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

فكيف يكون - إذا - ابنه من أهله ؟ . ثم امرأته وهي من أهله سبق عليها القول نفسها ، فكيف يسأل نوح ربه عن ابنه كيف غرق وهو من أهله هذه المحكوم عليها نفسها بالغرق ؟ ! . فإنما « ابْنِي مِنْ أَهْلِي » يعني أنه كان من أهله الموعودين بالنجاة في « وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ » ولمّا يتبين له عليه السلام أنه داخل في سابق القول ، فقد يسأل استفهاما دونما استفحام ، أنك يا رب قد وعدتني نجاة أهلي إلّا من سبق عليه القول وهم « الَّذِينَ ظَلَمُوا » وظلوا ظالمين ، كما وعدت غرق الظالمين ، وابني هذا من أهلي وهو ظالم ، فوضح لي يا رب ما عمي علي من أمره بين الوعدين . ولمّا يتبين لي أنه حقا من الظالمين كما امرأتي ، إذ لم يظهر منه كفر ما حق مهما تخلف عن أمري بركوب السفينة ، فإنه هو الذي دعا على الكافرين كلهم : « رَبِّ لاتَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » والقائل : « فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » ( 26 : 118 ) فلو كان يرى أن ابنه منهم لما كان يدعوه لركوب السفينة ، ولا يعرض ما عرضه بعد غرقه بقوله : « رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي . . » وقد نهاه اللّه أن يخاطبه في الذين ظلموا : « وَلاتُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ » فذلك العرض ولا سيما بعد الغرق قد لاح له أنه كالفرض استعلاما لغريب الموقف . ذلك « وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ » : حق كلمه دونما استثناء لمكان التعريف للخبر الذي يستحق التنكير ، فوعدك الحق كلّا وإنك تنجي أهلي « إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ » « وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ » كما حكمت بغرق ابني وهو من أهلي ، فوضّح لي يا رب إن شئت كيف هذا وذاك حتى أخرج من جهلي ، ومع كل هذه التفاصيل ليس في النص أنه سأل أو دعا ، وإنما نادى نداء الوالد الحنون بولده ، ربّه الحنون بموعده في عباده ، وإنما ينتج هاتان المقدمتان الحكم بنجاته ، ولكنه لم يستنتج ذلك تأدبا ، بل وبحكم عام حكم بخلافه : « وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ »