الشيخ محمد الصادقي الطهراني

403

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

تخرّص بالغيب ، فالأخبار الناطقة بأن في ذلك الدعاء يدا شيطانية هي بنفسها من يد شيطانية ! إذ لم يدع نوح إلّا بإذن اللّه وبعد ما أخبره اللّه « أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » من ثم وليس اللّه ليجيب نوحا إلى دعوة فيها يد شيطانية ! . وترى « أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ » تحيل إيمانهم في المستقبل ؟ فهم غير مكلفين - إذا - بالإيمان ! أم وعليهم أن يؤمنوا أنه لن يؤمنوا لأنه وحي رسالي واجب التصديق ؟ فهو جمع بين نقيضي واجب الإيمان والتصديق باستحالته ! . « أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ » يواجه نوحا والذين معه إخبارا عن حال هؤلاء الكفار ، وهم مكلفون بتصديق أنهم لن يؤمنوا ، مع تكليفهم أن يؤمنوا ، حيث الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار . فعلم اللّه بأنهم لن يؤمنوا كاشف قاطع أنهم لن يختاروا الإيمان ، فليس ذلك العلم سببا لعدم إيمانهم تسييرا ، إنما هو كاشف عنه ، ولو أنهم أم واحدا منهم آمن كان يعلم اللّه من ذي قبل أنه سوف يؤمن . وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلاتُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) . « فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاتُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ » ( 23 : 27 ) . وذلك أمر صارح بصناعة الفلك ، لا فقط تشريعيا ، بل و « بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا » فالمهندس في صناعة هذا الفلك هو اللّه ، والعامل هو رسول اللّه ، فما ظنك إذا بالزمن الذي يشغله ، والهيكل القويم الذي يحمله ؟ إنه فلك رباني ما أحكمه بنية وما أقصره زمنا ، وما أيسره صنعا ! . ف « أعيننا » بجمعية الصفات - تعني أعين العلم والقدرة والرحمة ، ثم « ووحينا » في مواده وحجمه وشكله وقوامه وكل كيانه ، وصنع الفلك بأعين اللّه ووحيه لخضمّ الطوفان