الشيخ محمد الصادقي الطهراني
398
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
غابة عبادته ، ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته ، إلّا إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجاءه ومخافته ، لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا في جدّهم ، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم ، ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم ، ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم ، ولم يفرقهم سواء التقاطع ، ولا تولّاهم على التحاسد ، ولا تشعّبتهم مصارف الريب ، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم ، فهم أسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول ، ولا وني ولا فتور ، وليس في أطباق السماء موضع إهاب إلّا وعليه ملك ساجد ، أو ساع حافد ، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما ، وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما » ( من خطبة الأشباح 90 ) . هنا - وبعد ما اكتملت الحجج البالغة عليهم من كافة النواحي الناحية منحى إثبات الحق وإزهاق الباطل ، ولم يجدوا عنها مفلتا حيث قطعت عنهم كل أعذارهم الغادرة ، ويئسوا من مناهضة حجته بحجة ، فتورطوا في لجة غامرة محجوجين ، عند ذلك أخذتهم العزة بالإثم ، فتركوا الحجة إلى التحدي : قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) . « . . فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا » فوق الواجب ، فصدعتنا دونما طائل واصب ، وما نحن لك بمؤمنين مهما جادلتنا ، و « قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ » ( 26 : 116 ) ( وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ » ( 54 : 9 ) ثم وآخر ما قالوه : « فَأْتِنا بِما تَعِدُنا » من عذاب ربك « إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ » في رسالتك . قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) . « إنما » ليس إلّا « يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ » متى شاء وكما شاء ، ولست أنا الذي آتيكم به من عند نفسي ولا من عند ربي ، و « إن أنا إلا رسول » فالمشية هي مشيته دون سواه « وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ » اللّه حين يشاء أن يأتيكم بعذاب من عنده أم لا يأتيكم به ، « وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ » اللّه في حجة رسالته ، ولا « بمعجزين » إياي عن مواصلة الدعوة بالحجج البينة ،