الشيخ محمد الصادقي الطهراني

392

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

عني الخبر والأثر . فيا عظماه لذلك الاتجاه في الإجابة عن المعترض القاسي حيث يخاطبهم خطاب الحنون ب « يا قوم » مرات في كل من القطاعات من حججه ، وبكل سماحة ومودة ، ثم « أرأيتم » تطلبا لرأيهم على ذبالة وعيهم خروجا عن الرؤية الحسية لفترة ، « إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي » شرطا دون تثبيت رغم ثابتها ، « فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ » : البينة والرحمة ، فلم تروهما فيّ ، فهل لكم أن تنكروها - إذا - فتكذبوني ، ثم « أَ نُلْزِمُكُمُوها » إلزاما بغير حجة عميت عليكم « وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ » فلا دور للإلزام العقلي بينة ورحمة إذ عميت عليكم ثم لا دور للإلزام قلبيا « وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ » . وهنا « أرأيتم » تكسح ثالوث « ما نرى » والناتج عنها : « . . بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ » تحريضا على الرؤية العاقلة وراء الحس وهي الرؤية الإنسانية المتميزة عن الحسية الحيوانية ، فقد وجههم إلى رؤية « بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي » تتبين بالعقلية الإنسانية دون مجرد الحس . وهكذا يتلطف نوح عليه السلام في توجيه أنظارهم وأبصارهم ولمس وجدانهم وإثارة حساسيتهم لإدراك القيم التي عميّت عليهم بما عمّوها على أنفسهم ، إعذارا لنفسه في نكرانه بينة اللّه ورحمته ، وحملا للمسؤولية كلها على عواتقهم بذلك التوجيه الوجيه الدقيق الرقيق ، الحقيق أن يكتب بالذهب . فهذه طمأنة لصدق هذه الرسالة من ناحية البينة الصادقة والرحمة ، ثم من ناحية ثانية : وَيا قَوْمِ لاأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) . هنا عدم سؤال المال إضافة إلى بينات الهدى هما طرفان طريفان وجناحان ظريفان للطائر القدسي الرسالي أثبتا رسالته دون أية ريبة . فالداعية على غير بينة وإن لم يسأل أجرا على دعوته ، وسائل الأجر عليها إثقالا على المدعوين وإن كان على بينة من ربه ولن ، هما لا يطمئن بهما في الادعاء والدعوة والدعاية ،