الشيخ محمد الصادقي الطهراني
390
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فلقد عمّيت على هؤلاء الأعمين أصل الفضيلة وهي الروحية ، زاعمين أن الفضيلة هي فقط الفضيلة في الحياة الدنيا بزخرفاتها وقواتها الحيوانية ، فحرموا أنفسهم من رحمة غالية ربانية . ذلك رد العَليّة المستكبرين من قومه كما هو رد سائر المستكبرين طول الزمان وعرض المكان ، اعتذارا جاهلا ماحلا قاحلا ليس ليقصد الجد ، وإنما هو للفرار عن المسؤولية ، والقرار على الأريحية والإباحية الطليقة ، فحتى إذا أرادوا أن يعبدوا فهم عابدون ما أرادوا كما يشتهون ما لا يحملهم أو زار التكليف الذي يحدد شهواتهم ورغباتهم ، وأوضاره . ذلك ، وفي استنكار رسالة البشر إلى البشر تغاض عن أهلية البشر لحمل الرسالة الربانية ، رغم أن اللّه خلقهم في أحسن تقويم ، ولكنهم يردون أنفسهم بأنفسهم إلى أسفل سافلين ! . هذا ! وفي رسالة البشر إلى البشر تبجيل لهذا البشر أنه مكتف بنفسه في حمل الرسالة ، وهذه أقرب إلى القبول ، وأغرب عن الذّبول والأفول ، وأقوى حجة عند أرباب العقول . ثم في تسمية الفقراء العزّل المظلومين أراذل رذالة من الرأي ، وثفالة من الوعي ، فإنما الأراذل هم الذين رذّلوهم وظلموهم وهضموهم حقوقهم ، فهم - إذا - أفاضل وليسوا أراذل ، واتّباعهم رسل اللّه هو بنفسه دليل على أن رسالات اللّه ناحية - كأساس - منحى الحفاظ على حقوق المظلومين المهضومين ، فهم يعيشون تحت ظلالهم ، ويخرجون بذلك عن ضلالهم . ثم في دمج نوح بمن اتبعوه من « الأراذل » ترذيل له نفسه ، فلو كان فضيلا لما اتبعه رذيل ، وأقل ما في الدور أننا « ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ » يفضلكم علينا بفضيلة الرسالة ، فالنتيجة : « بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ » في دعوى الرسالة واتباعها ، فلا رسولكم رسول ولا أنتم مؤمنون برسول . وهنا الجواب الحاسم ، القاصم ظهور المستكبرين ، يأتي في صيغة الاستفهام الاستنكار :