الشيخ محمد الصادقي الطهراني
381
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
لصالحها إلى مصلحية الجمع لجم غفير من المستكبرين وهم كاذبون ، بذلك يثبت نوح جدارة هذه الرسالة الأمينة أنها لا تخضع لرغبات الأقوياء الأغوياء ، وإنما لحكم اللَّه جذبا للأبرياء الأتقياء . قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ 116 . هذا جواب العاجز اللعين إذ يتنقّل من الحجة - إذ يراها عليه لجة - إلى التهديد « لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ » عن دعوتك ودعايتك « لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ » وقد كان الرجم أشد عقوبة للمتخلفين ، فقد بدأوا بحوار ، ثم تطلّبوا منه أن يأتيهم بما يعدهم : « قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ » ( 11 : 32 ) وآخر المطاف « لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ » ! قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ 117 فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 118 . عرض لحال معلومة عند اللَّه ، ولكنها موقف الدعاء تعرض فيه كل حالة بقالة متواضعة ، ولأن تكذيب الرسالة راجع إلى تكذيب المرسل فنوح هنا في ذلك العرض يتطلب إلى ربه ان يعالج موقفه الرسالي بفتح منه ونجاة له ولمن معه من المؤمنين ، مما يلمح أنهم هدّدوا بالرجم كما هو ، وقد يشير إليه « مِنَ الْمَرْجُومِينَ » ممن رجم أو يحكم له بالرجم . « فافتح . . » احكم بيني وبينهم حكما قاطعا وأمرا فاصلا ، يفتح الباب المبهم بعد ما استصعب رتاجه ، وأعضل علاجه ، ويقال للحاكم : الفتّاح ، لأنه يفتح وجه الأمر بعد اشتباهه واستبهام أبوابه « وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ » يفتح بعلم ويغلق ما انغلق ويفتق ما ارتتق . وهذا الفتح هو بطبيعة الحال واقعه المميّز بين الفريقين وفيه نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين دونما اقتراح لنوعية الفتح استسلاما لأمر ربه ، فليس فتحا في حكمه شرعة لأنه كان واقعا منذ الدعوة ، بل ومنذ بزغت شرعة في هذه البسيطة . وقد فتح اللَّه بينه وبينهم بعد ردح بعيد من الزمن ، حيث الدعوة كانت ألف سنة إلّا خمسين عاما :