الشيخ محمد الصادقي الطهراني

379

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

والمهم في دعامتي الرسالة الحقة الأمانة ثم الأمانة ، وليس عدم سئوال الأجر إلّا قاطعا للأعذار المادية بعد قطع الأعذار المعنوية ، فليس - إذا - مستقلا بجنب الأمانة ، ولذلك تأخر عنها تأكيدا للتصديق . فالرسول الأمين الذي يطلب أجرا لا يتوفّق في دعوته لا سيما والأكثرية الساحقة من المهتدين فقراء ، وغير الأمين وإن دفع أجرا بديل طلبه إياه لا يدعو إلّا إلى النار ، فليكن الرسول جامعا بين الأمرين « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » . قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ 111 . « فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ » ( 11 : 27 ) . نعم « الأرذلون » « أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ » المعروفون عندهم بحساب الهوى وقيم الدنيا الرذيلة ، ألّا مال لهم ولا منال ، فلو كانت دعوتك حقة لاتبعك الأعلون ، ذووا الحنكة المتحضّرون ، فلمّا اتّبعك الأرذلون عرفنا أن دعوتك رذيلة لا تحمل أية فضيلة . أم إن كانت دعوتك حقة فلتطرد التابعين الأرذلين حتى يفسح لنا مجال اتباعك ، حيث التسوية بيننا وبينهم ضلال مبين . لكن « الأرذلون » في ميزانهم المتأرجف اللعين هم السابقون دوما إلى الرسل ، أخفاء في قبول الحق لا تثقلهم وتقعدهم عنها أغلال الثروات والطنطنات والكبرياءات والمصلحيات القائمة على الأوضاع المزيفة . فإيمانهم الموعود شريطة طرد المؤمنين : « الأرذلون » في حسابهم هو خلاف متن الايمان وقضيته ، حيث يوحّد بين قبيل المؤمنين ، فلا أكرم عند اللَّه منهم إلّا أتقاهم ، ولا فوارق بينهم إلّا تقواهم ، فهي التي توحّد صفوفهم ، وهي التي تميز بينهم بفاضلها . هنا نجد الجواب الحاسم من نوح في حلقات أربع كل واحدة تكفي حسما لعذرهم الغادر : قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ 112 .