الشيخ محمد الصادقي الطهراني
377
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
صلوات اللَّه عليهم أجمعين . وترى كيف « كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ » ؟ ولم يأت في سائر القرآن إلّا تكذيبهم - فقط - نوحا لا سواه ! علّه لأنه تكذيب لسلسلة الرسالات ككل ، فان مقالهم هو مقال تكذيب الرسالة بأسرها ، وان تكذيب رسول واحد ثابت الرسالة بآياتها هو تكذيب للرسالات كلّها ، ولا سيما الرسالة الأولى وهي مفتتح ولاية العزم ، أم لأنه « مكث نوح ألف سنة إلا خمسين عاما لم يشاركه في نبوته أحد ، ولكنه قدم على قوم مكذبين للأنبياء الذين كانوا بينه وبين آدم . . » * . إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لاتَتَّقُونَ 106 . « إذ قال » هنا كظرف لذلك التكذيب الجماهيري ، تؤيد أن تكذيبه كان تكذيبا للمرسلين ، مهما سبقه تكذيبهم من قبل . وتلك الأخوة هي الأخوة في الإنسانية وفي المواطنة ، فلا بد أن تنجر إلى الأخوة في حق الإنسانية من هداها ، طردا لرداها ، ومن حق الأخ على الأخ ان يحاول في هداه وقد فعل نوح وبلسان الأخوة الحانية « أَ لاتَتَّقُونَ » اللَّه فيما تبغون وأنتم تطغون ؟ و « أَلا تَتَّقُونَ » في بزوغ الدعوة مما يزعزعهم عن تقاليدهم الجاهلة ، ويجعل إلى قلوبهم منفذا للاستماع إلى الدعوة الرسالية ، تخوّفا من الواقعة الموعودة ، إذ هم ليسوا على علم مما هم عليه . ولأن تقوى اللَّه لا بد لها من صورة كما لها من سيرة ، فوسيط الرسالة هو لزامها على أية حال ، وكأنه يجيب بعدئذ عن سئوال كيف نتقي اللَّه ؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ 107 . أمين على رسالة اللَّه إليكم ، فلا تجدون فيّ خيانة في تلك الأمانة حالا ومآلا وأفعالا ، وكما لمستموه مني حتى الآن ، إذ ما خنتكم كخلق اللَّه ومرسلا إليكم من اللَّه ، فكيف أخونكم في رسالتي لكم من اللَّه ؟ وهنا يعود مرة ثانية يأمرهم بتقوى اللَّه بذريعة الرسالة : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ 108 .