الشيخ محمد الصادقي الطهراني
374
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فان اجل العذاب المهدّد محدّد بما يراه اللّه ، ف « ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها » المقدر لها ان يعجلها « وَما يَسْتَأْخِرُونَ » تأجيلا لها ، فإنها من الآجال المحتومة الأممية حين تستحق العذاب ولات حين مآب . وهذه سنة اللّه الجارية في تاريخ الدعوات الرسالية ، كل قرن يستوفي اجله ويمضي غثاء : ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لايُؤْمِنُونَ 44 . « ثم » بعد نوح إلى موسى « أَرْسَلْنا رُسُلَنا » من ولي عزم كإبراهيم أم سواه كسواه « تَتْرا » تلو بعض البعض ولصق بعض ، متواترين في سلسلة الرسالة والدعوة دونما انقطاع « كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ » دونما انقطاع ، وكأنهم تواصوا بينهم « فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً » في عذاب الاستئصال مهما اختلفت ألوانه وأطواره « وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ » إذ لم نبق منهم على اثر فلم تكن منهم من باقية الا « أحاديث » عنهم في صفحات التاريخ وألسنة الناس وبقيت العبرة ماثلة امام الناس في مصارعهم ، حيث محيت العيون وعفيت الآثار فلم تبق منهم الا الآثار « فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ » - « فَبُعْداً لِقَوْمٍ لايُؤْمِنُونَ ! ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ 45 إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ 46 . وهنا إرسال كسائر الرسالات بآيات كسائر الآيات وسلطة البرهان كسائر السلطات الرسالية ، مهما اختلفت في بنودها وقيودها ومظاهرها ، وانما يذكر هنا موسى بعد رسل تترى لأنه كان يحمل ولاية العزم في أعظم رسالة إلهية وأبعدها غورا ، وأعمقها طورا ، وأكثرها عراقيل ، وأشدها في مواجهة الأباطيل ، فكانت - إذا - قمة رسالية مرموقة ، كما أن