الشيخ محمد الصادقي الطهراني
355
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
كل العالمين المكلفين ، وكما دعى على كفار الأرض أجمعين : « وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لاتَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » ( 71 : 26 ) . « فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ » دعوة مبدئية توحيدية في حقل العبودية الموحّدة تحلّق على كافة الرسالات وهنا « ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ » نفي لجنس الإله كما في « لاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ » استئصالا لأية ألوهة لغير اللّه ، لا أصيلة كما قد يزعم ، ولا فصيلة خلاف ما يدعون . ثم « إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » تلحيقة للمبدء بالمعاد ، وقد يعني « يوم عظيم » إلى المعاد عذاب البرزخ وبينهما عذاب الطوفان ، ف « يوم » هنا هو جنس ليوم العذاب العظيم ، مهما اختلف عظيم عن عظيم ، وفي مثلث العذاب الموعود ، لكونه غيبا كله ، تطوى دعوى الرسالة ، وهي الأصل الثالث من أصول الدين فإنها بين المبدء والمعاد ، ثم والدعوة التوحيدية في جوّ الإشراك المطلق المطبق هي دعوى رسولية . « قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ » وهم أشراف القوم وخواصهم الذين يملأون بكثرتهم وقوتهم العيون والقلوب ، وتمتلئ منهم صدور المجالس فهم المستكبرون من قومه ، والملأ في الأصل بين ملأ الشر وملأ الخير ومن الخير : « لايَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ » ( 37 : ) 8 ) ويقابلهم الملأ الأدنى وهم الشريرون المعارضون للرسالات على طول الخط ، وهنا قالوا : « إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » حيث تخالف ما نعيشه من حياة الإشراك والحرية الشهوانية ، ونحن أركان المجتمع وأصوله ، فما يعارضنا - ونحن على هدى الحياة الراقية - إلّا من هو في ضلال مبين . وكيف يواجههم نوح عليه السلام أمام رمية الضلالة وهي شر رمية ؟ إنه فقط سلب لها إيجابا لرسالته من رب العالمين : « قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » ، فلو كانت الرسالة الربانية - الثابتة لي بمثبتاتها - ضلالة ، فأنا إذا في ضلال مبين ، لأن ربي مضل وأنتم على هدى ! فهل أنتم مائلون إلى هذه الطنطنة الغوغاء ، قائلون غائلون هذه الغائلة النكراء ؟ وأنتم ترونه رب الأرباب ! .