الشيخ محمد الصادقي الطهراني
333
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
قصور ، قصور زال بشرائع الدين ، وتقصير في التحلل عن شريعة العقل الوحيد ، أو عقل الوحي التي حملتها غير أولى العزم من غير أصحاب الشرائع ، كآدم وإدريس ، يوحي بذلك ما يحمله نوح في مستهل رسالته : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ : فإذا لم تكن قبل نوح أية شريعة قاطعة للعذر ، داعية إلى الحق ، فما هو العذاب الأليم الذي يهددهم به نوح عليه السلام : « أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عذاب اليم » فلولا الإنذار من نوح - أيضا - لكان يأتيهم عذاب اليم ، ولكن اللّه يكمل حجته وإنذاره بأول شريعة من الدين ، بعد ما ثبتت الحجة بشريعة من العقل ، فشرائع العقل بالوحي وسواه ، وشرائع الدين ، هما متناصرتان في اثبات الحجة ومزيدها على الناكرين ، والقرآن يشير إلى رسل قبل نوح : « وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً » ( 25 : 37 ) ولو لم يكن رسل قبل نوح لما صدق تكذيبهم لجمع الرسل ، وأقله اثنان أو ثلاثة ، وفي المروي عن الباقر عليه السلام انهم كانوا عشرة * . فلا تخلوا - إذا - الفترات الرسالية ، من حجج بالغة ، الفترة قبل شرايع الدين ( بين آدم وإدريس وبينه وبين نوح ) وبين شرائع الدين ( كما بين المسيح ومحمد صلى الله عليه وآله ) مهما كانت الحجج أبلغ وأقوى في غير الفترات الرسالية ، فإنما يداقّ اللّه الناس في الحساب على قدر ما أوتوه ، كما يقتضيه عدله وحكمته البالغة . ونوح عليه السلام يحمل في مستهل الدعوة وفجر الرسالة ، الدعوة إلى أصول ثلاثة هي خلاصة الأساس في الرسالات الإلهية كلها ، مهما افترقت في التخطيط والتفريع والعمق والبساطة والشكليات المناسبة لكل جيل : « قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ » . « إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ عن عذاب اللّه في الدارين ، ان تركتم هذه الأصول نَذِيرٌ مُبِينٌ » : مبين لجذور الإنذار وأسبابه ، مبين عملا واقعا جزاء ترك الشريعة ، ومبين كذلك من هنا نتائج