الشيخ محمد الصادقي الطهراني

295

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وعلّ الأول ما كان فوريا دون مهلة وكما في طه : « وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى . ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً . . » مما يوحي أن أمرهما الخاص بالهبوط بعد ما أمر إبليس حين ازلهما ، وبعد ما تاب عليه ربه وهدى ، وكمال التوبة كان بتلقي الكلمات بعد الأمر الاوّل الجماعي بالهبوط هنا ، وكأنه يقول أنتما بعد قليل وتحقيق التوبة هابطان مع الشيطان ، إذا فلا عصيان ثانيا لآدم وزوجه ، وإنما إبليس هو الذي عصى ربه لحد الآن مرتين - : مرة إذا استكبر عن السجود لآدم « قال اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها » وأخرى إذا أمر مع آدم وزوجه إذ أزلهما ، إذ كان امره غير أمرهما ، حيث هما كانت لهما مهلة تحقيق التوبة دونه ، أو أن التأكيد لأجل التكرار حيث ظنا أن توبتهما نسخت الأمر بالهبوط فأعاده اللّه تدليلا على أن الهبوط لزام العصيان ولو بعد التوبة ، ولأنه خلق خليفة في الأرض لا في السماء ! . ومهما يكن من شيء فالأمر الأخير بجماعية الهبوط يحمل تحقيقه تكوينا ، بجانب ما يحمل إيجابه تشريعا ، مهما كان آدم وزوجه مطيعان والشيطان عاصيا ! . « فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ » : من الجنة بما يشقى : « إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلاتَعْرى . وَأَنَّكَ لاتَظْمَؤُا فِيها وَلاتَضْحى » وقد خرجا من بعض ما فيه « وَلا تَعْرى » وهما بعد فيها ، حيث نزع عنهما لباسهما « وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ » ولكن لم يسمح لهما ، حيث « طَفِقا يَخْصِفانِ » دون « خصفا » كما وأن الخروج مما فيها يقتضيه ، إذ لا يخص بالخروج عنها ، وإنما « مِمَّا كانا فِيهِ » ومنه لباس الجنة ورقا وسواه ، فقد بقيا عريانين حتى أهبطا ، وقد تابا عريانين منكسرين ، وإنه أحرى بحالة التوبة وأجدى . 5 - ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما » توحي أن لولا وسوسة الشيطان بذوق الشجرة لم تبدو لهما سوآتهما أبدا ، إذ كان لباس الجنة لهما لزاما ، كما ألبساه منذ خلقا وأدخلاها ، فظهور السوأة كان مقصودا للشيطان نكاية بآدم وزوجه ، أنكما تحملان سوآت في أبدانكما ، وأخرى في أرواحكما حيث عصيتما ربكما فلست أنا العاصي