الشيخ محمد الصادقي الطهراني
283
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
السجود له فلا ينسى موقفه منه . إذا فما هذا العهد الذي نسيه فدفعه إلى ارتكاب الخطيئة ؟ قد يكون هو العهد العام المأخوذ على بني آدم : « أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لاتَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ » . ولكنه يعم بني آدم دون آدم ، وآدم لم يعبد الشيطان وإنما اغتر بما غره ، وملامح العهد أنه فوق ما عهده اللّه إلى بني آدم : « عَهِدْنا إِلى آدَمَ » لا بني آدم أو الإنسان . أو أنه العهد المأخوذ في الذر على توحيد الربوبية : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » ( 7 : 172 ) ؟ وهذا العهد وان كان أعلى من الاوّل ، فقد يعم ويناسب آدم ، ولكنه أيضا من بني آدم ! أو أنه الميثاق المأخوذ على النبيين ، في درجة أعلى من توحيد الربوبية : « وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً . لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً » ( 33 : 8 ) . أو انه عهد خاص إليه كما إليهم خاصة العهود حسب درجاتهم ؟ ولكنه لآدم كان قبل نبوته : « وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ . . » وعلّه بمناسبة المحنة الإبليسية عهد يضم توحيد الربوبية وترك طاعة الشيطان « فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » : إذ لم يثبت ويعزم على عهده ، فلم يكن النسيان مما يرفع عنده التكليف ، وإنما التناسي الغفلة الغفوة الذي يتنافى وذكر الربوبية الموحّدة ، فكل تخلف وعصيان هو من خلفيات نسيان حضرة الربوبية ولحد الإعراض عن ذكر اللّه : « وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى » . وترى انه كان عصيانا كبيرا ؟ إذ كان النهي مؤكدا : « وَلاتَقْرَبا » حيث النهي عن القرب إلى شيء يوحي بان محظورة عظيم : « فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ » إيحاءٌ ثان إلى تأكد النهي بنونه الثقيلة .