الشيخ محمد الصادقي الطهراني
276
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فيتعرف إليها بذوقها حتى لا يعصى ربه بعدها ! فلما ذا عدّ من العصاة ؟ : « وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى » فلو كانت هي شجرة المعرفة كان تناولها من أفضل الطاعة ! ثم ولا عصيان قبل المعرفة ! حيث هي مهبط التكاليف الإلهية ، واما المجانين أو البله المستضعفين الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، فليسوا هؤلاء عصاة ! . ثم آدم الذي علّم الأسماء كلها وأنبأ الملائكة بأسمائها ، هلّا كان هو من العرفاء ، ولحد يعرف الحسن عن القبيح حتى يعصى ربه في ذوق شجرة المعرفة ! إنها لقولة فارغة هراء ، خاوية عراء ، واللّه منها براء ! وأما شجرة الكرم والنخلة والتين والحنطة والكافور والأترج والسنبلة فليست هي بالتي تؤثر هذا الأثر الرذيل ، رغم أن التين مبارك في القرآن والسنبلة مباركة في حديث الرسول ، والنخلة أم لآكله ، والحنطة إدام لدوام الحياة ، والكافور ممدوح في القرآن ، والأترج في السنة ، فما هي الصلة الطبيعية بينها وبين هذه العرقلات للحياة مادية وروحية ، اللّهم إلّا كونه نهي امتحان دون أن تحمل شجرته هذه وتلك من العرقلات ، ولكنما التوبة - إذا - لا بد وان ترجع بصاحبها إلى ما كان من حياة الجنة لولا أن طبيعة الشجرة المنهية تحمل عناء الحياة وشقائها ، وكما أن ذوقها عصيانا للّه نسيان لعهد اللّه وإعراض عن ذكر اللّه . فنفسية الشقاء هي من مخلفات العصيان ، ومادّيتها من آثار هذه الشجرة ، خلاف ما وصفها الشيطان : « هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لايَبْلى » ! ومهما يكن من شيء فلنسكت عما سكت اللّه ، ونفصح مستصفحا عما ذكر اللّه ، وما هو في مثلث الآيات إلّا التي عرفناها : شجرة الإعراض عن ذكر اللّه ، تتبع نسيان عهد اللّه ، فتخلّف معيشة ضنكا : انحرافا وانهرافا عن معنوية الحياة ، وشقاءً وجوعاً وعرىً وظمأً وضحىً ، التي تجمعها : « الهبوط عن الحياة العليا » : أسفل سافلين : « لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ » : « قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاهُمْ يَحْزَنُونَ » .