الشيخ محمد الصادقي الطهراني
267
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
كافرا ، حتى أظهر مكنونه إذا أمر « 1 » « أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » ( 39 : 74 ) : كان إذ كان مع الملائكة من الكافرين المنافقين . وهنا الاستثناء متصل ، وعلى انفصالها فالوجه انه لم يكن منهم لا كونا ولا كيانا ، ولكنه إذ أمر شخصيا بالسجود : « ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ » اعتبر هنا في ردف المأمورين وليس منهم في غيره ، وعلّ الفائدة هنا أتم ، إذ الاستثناء المنقطع تفيد الاستغراق : لم يبق منهم أحد إلّا سجد ، فلم يعص منهم أحد ، اللّهم « إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ » ( 18 : 50 ) : وأما هم : « فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ » ( 15 : 30 ) مما يؤكد استغراق الأمر بالسجود . « فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » : وهناك تفاصيل وتعاليل من قياس إبليس لمّا ترك السجود لآدم ، أجمل عنها هنا وفصّلت في سائر آياتها الست الأخرى ، ندرسها في طياتها ، وهي في صيغة واحدة : رد على اللّه وردّة عن شرعة اللّه بقياس فيه إبلاس : « أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » ( 7 : 12 ) ( قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ » ( 15 : 33 ) ( أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً » ( 17 : 61 ) ( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى » ( 21 : 16 ) ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ » ( 18 : 50 ) وهنا نجمل كما أجمل
--> ( 1 ) . نور الثقلين ( 1 : 55 ) عن تفسير القمي حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال : سئل عما ندب اللّه الخلق اليه أدخل فيه الضلال ، قال : نعم والكافرون دخلوا فيه لأن اللّه تبارك وتعالى امر الملائكة بالسجود لآدم فدخل في امره الملائكة وإبليس ، كان مع الملائكة في السماء يعبد اللّه وكانت الملائكة تظن انه منهم ولم يكن منهم ، فلما امر اللّه الملائكة بالسجود لآدم اخرج ما كان في قلب إبليس من الحسد فعلمت الملائكة عند ذلك ان إبليس لم يكن منهم فقيل له ( ع ) فكيف وقع الأمر على إبليس وانما امر اللّه الملائكة بالسجود لآدم فقال : كان إبليس منهم بالولاء ولم يكن من جنس الملائكة وذلك ان اللّه خلق خلقا قبل آدم وكان إبليس منهم حاكما في الأرض فعتوا وأفسدوا وسفكوا الدماء فبعث اللّه الملائكة فقتلوهم وأسروا إبليس ورفعوه إلى السماء فكان مع الملائكة يعبد اللّه إلى أن خلق اللّه تبارك وتعالى آدم . أقول : لعل الجمع بين معرفتهم لإبليس وعدمها ان الذين قاتلوه هم عرفوه دون سواهم . ثم أقول : وفي معناه ان إبليس لم يكن منهم ، رواه في أصول الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه ( ع ) .